كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٧ - باب مقدمة الكتاب
الملك فيما ألقيت اليك، و لا يثقلنّ ذلك عليك، فلم أتكلّم بهذا ابتغاء غرض تجازيني به و لا التماس معروف تسوقه إليّ و لكن أتيتك ناصحا مشفقا عليك» .
فلما فرغ بيدبا من مقالته و قضى مناصحته أوغر صدر الملك [١] فأغلظ له في الجواب استصغارا لأمره و قال: «لقد تكلّمت بكلام ما كنت أظنّ أنّ أحدا من أهل مملكتي يستقبلني بمثله و لا يقدم على ما أقدمت عليه، فكيف بك مع صغر شأنك و ضعف منّتك [٢] و عجز قوّتك، و لقد زاد عجبي من اقدامك عليّ و تسلّطك بلسانك فيما جاوزت فيه حدّك، و ما أجد شيئا في تأديب غيرك أبلغ من التنكيل بك [٣] فذلك عبرة و موعظة لمن عساه أن يبلغ و يروم ما رمت أنت من الملوك إذا أوسعوا لهم في مجالسهم» ، ثمّ أمر به أن يقتل و يصلب، فلمّا مضوا به فكّر فيما أمر فأحجم [٤] عنه ثمّ أمر بحبسه و تقييده، فلمّا حبس أنفذ الملك في طلب تلاميذه و من كان يجتمع اليه فهربوا في البلاد و اعتصموا [٥] بجزائر البحار، فمكث بيدبا في محبسه أياما لا يسأل الملك عنه و لا يلتفت إليه و لا يجسر أحد أن يذكره عنده حتى إذا كانت ليلة من اللّيالي سهد [٦] الملك سهدا شديدا و طال سهده فمدّ إلى الفلك بصره و تفكّر في تفلّك [٧] الفلك و حركات الكواكب فأغرق الفكر فيه [٨] فسلك به إلى استنباط شيء عرض له من أمور الفلك و المسألة عنه، فذكر عند ذلك بيدبا و تفكر فيما كلّمه فيه فارعوى [٩] لذلك و قال في نفسه: لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف و ضيّعت واجب حقه و حملني على ذلك سرعة الغضب، و قد قالت العلماء أربعة لا ينبغي أن تكون في
[١] أوغر صدره: ملأه غيظا.
[٢] منتك: قوتك.
[٣] من نكل به تنكيلا: أي جعله نكالا و عبرة لغيره.
[٤] أحجم: تأخر و رجع.
[٥] اعتصم بالشيء: امتنع به.
[٦] السهاد: الأرق و هو السهر.
[٧] تفلك: استدارة.
[٨] أي بالغ.
[٩] من ارعوى عن القبيح مثل ارتدع.