كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٧٠ - باب البوم و الغربان
على ظهره و شبع بذلك و عاش. قال الملك: و كيف كان ذلك؟
قال الغراب: زعموا أنّ أسود من الحيّات كبر و ضعف بصره و ذهبت قوّته فلم يستطع صيدا و لم يقدر على طعام، و أنّه انساب [١] يلتمس شيئا يعيش به حتى انتهى إلى عين كثيرة الضّفادع قد كان يأتيها قبل ذلك فيصبب من ضفادعها رزقه، فرمى نفسه قريبا منهنّ مظهرا للكآبة و الحزن.
فقال له ضفدع: ما لي أراك أيّها الأسود كئيبا حزينا؟قال: و من أحرى [٢] بطول الحزن منّي. و إنّما كانت أكثر معيشتي ممّا كنت أصيب من الضّفادع فابتليت ببلاء حرّمت عليّ الضّفادع من أجله حتى أني إذا التقيت ببعضها لا أقدر على إمساكه، فانطلق الضّفدع إلى ملك الضّفادع فبشّره بما سمع من الأسود، فأتى ملك الضّفادع إلى الأسود. فقال له: كيف كان أمرك؟قال سعيت منذ أيّام في طلب ضفدع و ذلك عند المساء فاضطررت إلى بيت ناسك و دخلت في أثره في الظّلمة و في البيت ابن للنّاسك، فأصبت إصبعه فظننت أنّها الضّفدع فلدغته فمات فخرجت هاربا فتبعني النّاسك في أثري و دعا عليّ و لعنني و قال: كما قتلت ابني البريء ظلما و تعدّيا أدعو عليك أن تذلّ و تصير مركبا لملك الضّفادع فلا تستطيع أخذها و لا أكل شيء منها إلاّ ما يتصدّق به عليك ملكها فأتيت إليك لتركبني مقرّا بذلك راضيا به، فرغب ملك الضفادع في ركوب الأسود و ظنّ أنّ ذلك فخر له و شرف و رفعة فركبه و استطاب ذلك. فقال له الأسود: قد علمت أيّها الملك أني محروم فاجعل لي رزقا أعيش به.
قال ملك الضفادع لعمري لا بدّ لك من رزق يقوم بك إذ كنت مركبي فأمر له بضفدعين يؤخذان في كلّ يوم و يدفعان إليه، فعاش بذلك و لم يضرّه خضوعه للعدوّ الذّليل بل انتفع بذلك و صار له رزقا و معيشة.
[١] الانسياب: سير الحية.
[٢] أحرى: أولى و أجدر.