كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦٦ - باب البوم و الغربان
و تمشّى و نام، فأقبل اللّصّ و الشّيطان يأتمران فيه و اختلفا على من يبدأ بشغله أوّلا فقال الشّيطان للّصّ: إن أنت بدأت بأخذ البقرة ربّما استيقظ و صاح و اجتمع الناس فلا أقدر على أخذه فانتظرني ريثما أخذه و شأنك و ما تريد. فأشفق [١] اللصّ إن بدأ الشّيطان باختطافه أن يستيقظ فلا يقدر على أخذ البقرة فقال: لا بل أنظرني أنت حتى آخذ البقرة و شأنك و ما تريد، فلم يزالا في المجادلة هكذا حتّى نادى اللصّ أيّها النّاسك انتبه فهذا الشّيطان يريد اختطافك، و نادى الشّيطان أيّها النّاسك انتبه فهذا اللصّ يريد أن يسرق بقرتك، فانتبه النّاسك و جيرانه بأصواتهما و هرب الخبيثان.
فقال الوزير الأوّل الذي أشار بقتل الغراب: أظنّ أنّ الغراب قد خدعكنّ و وقع كلامه في نفس الغبيّ منكنّ موقعه فتردن أن تضعن الرّأي في غير موضعه، فمهلا مهلا أيّها الملك عن هذا الرّأي و لا تكوننّ كالرّجل الذي كذّب بما رأى و صدّق بما سمع و انخدع بالمحال.
فلم يلتفت الملك إلى قوله و أمر بالغراب أن يحمل إلى منازل البوم و يكرم و يستوصى به خيرا، ثمّ إنّ الغراب قال للملك يوما و عنده جماعة من البوم و فيهنّ الوزير الذي أشار بقتله: أيّها الملك قد علمت ما جرى عليّ من الغربان و إنّه لا يستريح قلبي دون الأخذ بثأري منهنّ، و إني قد نظرت في ذلك فإذا بي لا أقدر على ما رمت لأني غراب، و قد روي عن العلماء أنّهم قالوا: من طابت نفسه بأن يحرقها فقد قرّب للّه أعظم القربان لا يدعو عند ذلك بدعوة إلاّ استجيب له.
فإن رأى الملك أن يأمرني فأحرق نفسي و أدعو ربي أن يحوّلني بوما فأكون أشدّ عداوة للغربان و أقوى بأسا عليهنّ لعلّي أنتقم منهنّ. فقال الوزير الذي أشار بقتله: ما أشبهك في خير ما تظهر و شرّ ما تخفي إلاّ بالخمرة الطّيّبة الطّعم و الرّيح
[١] أشفق: خاف.