كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦ - باب مقدمة الكتاب
اللّوامع.
فلمّا قرب ذو القرنين من فور الهنديّ و بلغه ما قد أعدّ له من الخيل، التي كأنها قطع الليل [١] ، مما لم يلقه بمثله أحد من الملوك الذين كانوا في الأقاليم، تخوّف ذو القرنين من تقصير يقع به إن عجّل المبارزة، و كان ذو القرنين رجلا ذا حيل و مكايد مع حسن تدبير و تجربة. فرأى إعمال الحيلة و التمهّل و احتفر خندقا [٢] على عسكره و أقام بمكانه لاستنباط الحيلة و التدبير لأمره و كيف ينبغي له أن يقدم على الإيقاع [٣] به، فاستدعى بالمنجّمين و أمرهم بالاختيار ليوم موافق تكون له فيه سعادة لمحاربة ملك الهند و النّصرة عليه، فاشتغلوا بذلك، و كان ذو القرنين لا يمرّ بمدينة إلا أخذ الصّنّاع المشهورين من صنّاعها بالحذق من كلّ صنف، فنتجت له همته و دلّته فطنته أن يتقدّم إلى الصّنّاع الذين معه أن يصنعوا خيلا من نحاس مجوّفة عليها تماثيل من الرجال على بكر تجري إذا دفعت مرّت سراعا، و أمر إذا فرغوا منها أن تحشى أجوافها بالنّفط و الكبريت و تلبّس و تقدّم أمام الصفّ في القلب، و وقت ما يلتقي الجمعان تضرم فيها النيران فإن الفيلة إذا لفّت خراطيمها على الفرسان و هي حامية ولت هاربة، و أوعز إلى الصّنّاع بالتشمير [٤] و الانكماش [٥] و الفراغ منها، فجدّوا في ذلك و عجّلوا، و قرب أيضا وقت اختيار المنجّمين فأعاد ذو القرنين رسله إلى فور بما يدعوه اليه من طاعته و الإذعان [٦] لدولته فأجاب جواب مصرّ على مخالفته مقيم على محاربته.
[١] القطع: ظلمة آخر الليل و التشبيه هنا من جهة الكثرة و الكثافة.
[٢] الخندق: حفير حول أسوار المدن.
[٣] الايقاع: البطش.
[٤] التشمير: الجد.
[٥] الانكماش: الاسراع.
[٦] الاذعان: الانقياد.