كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٤٢ - باب الحمامة المطوّقة
و يعلّق الباقي، و كنت أرصد [١] الناسك حتى يخرج و أثب إلى السّلّة فلا أدع فيها طعاما إلاّ أكلته و أرمي به إلى الجرذان فجهد النّاسك مرارا أن يعلّق السّلّة في مكان لا أناله فلم يقدر على ذلك حتى نزل به ذات ليلة ضيف فأكلا جميعا ثمّ أخذا في الحديث فقال الناسك للضيف: من أيّ أرض أقبلت و أين تريد الآن، و كان الرّجل قد جاب الآفاق [٢] و رأى عجائب كثيرة فأنشأ يحدّث النّاسك عمّا وطئ [٣] من البلاد و رأى من العجائب و جعل النّاسك خلال ذلك يصفّق بيديه لينفّرني عن السّلّة فغضب الضيف و قال: أنا أحدّثك و أنت تهزأ بحديثي فما حملك على أن سألتني؟فاعتذر إليه الناسك و قال: إنّما أصفّق بيدي لأنفّر جرذا قد تحيّرت في أمره و لست أضع في البيت شيئا إلاّ و أكله. فقال الضّيف: جرذ واحد يفعل ذلك أم جرذان كثيرة؟فقال الناسك: جرذان البيت كثيرة لكنّ فيها جرذا واحدا هو الذي غلبني فما أستطيع له حيلة. قال الضيف: لقد ذكّرتني قول الذي قال: لأمر ما باعت هذه المرأة سمسما مقشورا بغير مقشور. قال النّاسك: و كيف كان ذلك؟
قال الضّيف: نزلت مرّة على رجل بمكان كذا فتعشّينا ثم فرش لي و انقلب الرّجل على فراشه مع زوجته و بيني و بينهما خصّ من قصب فسمعت الرّجل يقول في آخر اللّيل لامرأته: إنّي أريد أن أدعو غدا رهطا [٤] ليأكلوا عندنا فاصنعي لهم طعاما. فقالت المرأة: كيف تدعو الناس إلى طعامك و ليس في بيتك فضل عن عيالك و أنت رجل لا تبقي شيئا و لا تدّخره. قال الرّجل: لا تندمي على شيء أطعمناه و أنفقناه فإنّ الجمع و الادّخار ربما كانت عاقبته كعاقبة الذّئب. قالت
[١] أرصد: أرقب.
[٢] الآفاق: النواحي المختلفة.
[٣] وطيء: داس و زار.
[٤] الرهط: ما دون العشرة من الرجال و هو جمع لا واحد له من لفظه.