كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١١١ - باب الأسد و الثور
الأعوان، فكيف بالأسد على جراءته و شدّته، فإنّ من حقر عدوّه لضعفه أصابه ما أصاب وكيل البحر من الطّيطوى. قال شتربة: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنّ طائرا من طيور البحر يقال له الطّيطوى كان وطنه على ساحل البحر و معه زوجة له، فلمّا جاء أوان تفريخهما قالت الأنثى للذّكر لو التمسنا مكانا حريزا [١] نفرّخ فيه فإني أخشى من وكيل البحر إذا مدّ الماء أن يذهب بفراخنا.
فقال لها: أفرخي في مكانك فإنه موافق لنا و الماء و الزّهر منّا قريب، قالت له: يا غافل ليحسن نظرك فإني أخاف وكيل البحر أن يذهب بفراخنا، فقال لها: أفرخي مكانك فإنه لا يفعل ذلك، فقالت له: ما أشدّ تعنّتك أ ما تذكر و عيده و تهدده إيّاك، أ لا تعرف نفسك و قدرك، فأبى أن يطيعها. فلمّا أكثرت عليه و لم يسمع قولها قالت له: إنّ من لم يسمع قول النّاصح يصيبه ما أصاب السّلحفاة حين لم تسمع قول البطّتين، قال الذكر: و كيف كان ذلك؟
قالت الأنثى: زعموا أنّ غديرا كان عنده عشب و كان فيه بطّتان و كان في الغدير سلحفاة بينها و بين البطّتين مودّة و صداقة، فاتّفق أن غيض ذلك الماء فجاءت البطّتان لوداع السّلحفاة و قالتا: السلام عليك فإنّنا ذاهبتان عن هذا المكان لأجل نقصان الماء عنه، فقالت: إنّما يبين نقصان الماء على مثلي فإني كأني السفينة لا أقدر على العيش إلاّ بالماء، فأما أنتما فتقدران على العيش حيث كنتما، فاذهبا بي معكما، قالتا لها: نعم، قالت: كيف السبيل إلى حملي؟قالتا: نأخذ بطرفي عود و تقبضين بفيك على وسطه و نطير بك في الجوّ، و إيّاك إذا سمعت الناس يتكلّمون أن تنطقي، ثمّ أخذتاها فطارتا بها في الجوّ فقال النّاس: عجب سلحفاة بين بطّتين قد حملتاها فلمّا سمعت ذلك قالت: فقأ اللّه أعينكم أيّها الناس، فلمّا فتحت فاها بالنطق وقعت
[١] حريزا: حصينا.