إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ١٠٩٠ - (٢) القرآن منبع دين و علم
عليه الكلام، أو تضطرب بين يديه الصفحات، فما أعسرها على المحقق، لا سيما إذا لم تكن للكتاب خطيات أخرى تعين.
غير أنها كانت رغبة من أستاذي ملحة في أن يخرج الكتاب للناس، فلم أجد بدا من أن أحمل العبء راضيا.
و ما من مرة لقيت فيها أستاذي إلاّ وجدت منه اللهفة إلى أن يرى الكتاب منشورا، و ما من مرة جلست فيها إليه إلاّ وجدته مشوقا إلى أن يراه و قد انتهيت فيه إلى رأي يصحح اسمه و يصحح نسبته، و ما من مرة تحدثت إليه إلاّ وجدته يتمنى أن أبلغ هذا قبل أن يبلغ هو أجله.
و لكن الأجل كان أسرع إليه، فلقد اختطفه الموت-رحمه اللّه-قبل أن يخرج القسم الأول من هذا الكتاب، و قبل أن أكتب في هذا القسم الثالث رأيي في اسم الكتاب و اسم صاحبه.
و لئن غاب عنا الأستاذ عينا فهو حاضر بيننا معنى، و الأيام التي تطوي الآجال، تنشر لأصحابها صفحات الأعمال، و الخلود في الوجود للثانية لا للأولى، و ما كانت الأولى غير صور تتراءى على شاشية الحياة، ما إن تظهر حتى تختفي و يبقى أثرها الذي خلقته لا يزول. و الميتة ميتة الذكرى التي لا تنعشها أثرى، و الميت من يموت في إثره خبره.
ألا رحم اللّه إبراهيم مصطفى، و أبقى له خير ما عمل.
(٢) القرآن منبع دين و علم
حين دعا محمد صلى اللّه عليه و سلم قومه إلى التوجه إلى اللّه و ترك الأصنام دعاهم عن وحي من ربه، و حين أملى عليهم شريعته أملاها عن وحي من ربه. و كان هذا الكتاب المنزل حجة اللّه على الناس، يؤيد حقه صدق الرسالة، و يزكي بيانه صدق الداعي.
و وعت هذا الكتاب صدور المسلمين عند ما وعته الصحف و الرقاع؛ و حين كانت الحافزة إلى جمعه في تدوينه عهد أبي بكر لم يشق على المسلمين ما أخذوا فيه، فلقد كانت صدورهم له واعية و الصحف لا تزال ندية لم يجف مدادها.
و استوى للمسلمين مصحفهم الجامع أيام عثمان، و اجتمعوا عليه قاطبة يتدارسونه ليقربوا إلى معانيه و أسلوبه شعوبا لم تكن لها عربية الأمة التي نزل القرآن بلسانها.