أحكام المتاجر المحرمة - كاشف الغطاء، الشيخ مهدي - الصفحة ١٩٤ - أما حكمه فيحرم عمل السحر بلا خلاف بين المسلمين،
فإن قلت: إنهما يعلّمان من يعمل، فيكون من الإعانة على الإثم، قلت: عدم قصدهما الإعانة يدفع إشكال حرمتها، أو أنهما يعلمان العلم دون العمل، و العلم لا يستلزم معرفة العمل، أو أن ذلك جائز لهما بالخصوص لكون نزولهما فتنة و ابتلاء، و جميع ما ورد من لفظ الساحر و السحر و السحرة في الأدلة يراد به العملة، بل الظاهر أنه منصرف للعملة، و ما ورد في الأخبار من تحريم التعلّم، و إن حد المتعلم القتل يراد به التعلم بقصد العمل أو مع العمل؛ إذ القتل من حدود العامل دون العالم، مع أن الظاهر انصراف التعلّم إلى النحو المألوف من إرادة العمل.
قال بعض تلامذة جدي المرحوم: (يظهر من الأستاذ العلامة في شرحه جواز تعلم السحر لا للعمل، بل لمجرد المعرفة و الترفّع عن حضيض الجهل مع اعترافه بحرمة عمل السحر ذاتاً، و هو كالمستعرض في المقام؛ فإن تحريم العمل ذاتا يقتضي تحريم تعلّمه كذلك، على نحو تعلّم علم القمار و علم الغناء، بل العقل حاكم بقبح تعلّمها من غير ضرورة إليه، مع أن إطلاق ما دل على تحريم تعلّمها و تعليمها متناول لما إذا كان بقصد العمل و بدونه، و دعوى انصرافه إلى ما كان بقصد العمل في حيّز المنع)، انتهى. و فيه ما لا يخفى؛ لأن حرمة العمل ذاتا لا تقتضي سوى تحريم التعلّم للعمل، على أن ما ادّعاه من حرمة تعليم علم القمار و الغناء في حيّز المنع، و دعوى قبح التعلّم عقلا ممنوعة، بل التعلّم للعلم حسن كما عرفت، و أما انصراف الإطلاقات إلى التعلّم للعمل فمما لا كلام فيه كما عرفت، و ما يظهر من بعض أصحابنا من أن عمله مستلزم للمحرم من الكفر و نحوه ممنوعة أشد المنع.
و كيف كان فقد نسب إلى الشهيدين [١] اعلى مقامهما و غيرهما القول بجواز تعلم السحر ليُتوقى به و لدفع سحر المتنبي حيث نسب إليهما القول بوجوبه كفاية، و ناقشهما في ذلك بعض المتأخرين: (بأنه لا ضرورة في ما ذكروه من التوقّي لندرة تأثيره في إضرار العباد؛ فإنه لا يضر أحداً إلا بإذن الله تعالى، و لو تسلط الساحر بسحره لنَفى عنه الفقر و العدم و استجلب كل محبوب له في الدنيا، و البديهة حاكمة بخلافه، كما لا ضرورة في دفع سحر المتنبي لاستحالة ظهوره على يديه عقلا في مقام دعوى النبوة،
[١] الشهيد الثاني، شرح اللمعة، ٣/ ٢١٥؛ الشهيد الأول، الدروس، ٣/ ١٦٤.