أحكام المتاجر المحرمة - كاشف الغطاء، الشيخ مهدي - الصفحة ١٤٨ - النوح بالباطل
و على تقدير الحرمة فهي إنما نشأت من أمر آخر لا من النوح بالباطل، على أن حرمة ذلك مبنية على حرمة سماع الأجانب صوتها من غير ريبة، و هو ممكن المنع خصوصاً مع عدم تمييز الألفاظ، و هو مدلول الخبر المتقدم، و هي وصية الباقر (عليه السلام) لجعفر بوقف شيء لنوادب يندبنه في منى أيام منى [١] و إلا فدعوى حلَية سماع الأجانب صوت النائحة مطلقاً حتى مع الريبة و حتى مع تمييز الألفاظ في محل المنع، لأن أيام منى من المعلوم كثرة الناس و اختلاف الأصوات و الغوغاء فيها، فدعوى أن صوت النائحة تُميز الفاظه ممنوعة، كما أن حصول الريبة في صوت النائحة في تلك الأيام من جهة المشغولية و التوجه لأمر الآخرة مشكل فتبصَر.
قال جدي في شرح القواعد في بيان النوح بالباطل (إما بأن تذكر صفات كاذبة ليست في الميت، أو تذكر الصفات التي لا يسوغ ذكرها، كأن تصفه بما يرفعه في دنياه و يضعه في أخراه، أو تقضي برفعته و ضعة غيره، أو تأتي بالنوح غير السائغ لسماع الأجانب لو حرمناه، و نهى مفترض الطاعة، أو لكونه على الكفار و نحوهم. و أما الباطل بمعنى الهذر فالظاهر عدم المنع فيه) [٢] انتهى. و هو كما ترى، لأنه (قُدّسَ سرُّه) إن أراد أن ذلك من النوح بالباطل فقد عرفت أنه خاص بخصوص الأمرين الأولين، و إن أراد أنه من النوح المحرم و لو لمحرم آخر فلا يختص ذلك بما ذكره (رحمه الله) بل أمثلته لا تنحصر، و الظاهر أنه يريد الأول، لأن المقصود بالبحث إنما هو جواز التكسب و هو مختص بالنوح الجائز، لأن كل نوح ممنوع منه شرعاً لا يجوز التكسب به لقوله (عليه السلام): (إذا حرَم الله شيئا حرم ثمنه) [٣]، كما يظهر ذلك من قوله في ما بعد العبارة السابقة.
و على كل حال فالمدار على المنع الشرعي حتى تكون الأجرة أجرة على الحرام.
و الظاهر عدم الفرق بين الإعطاء بعد المقاطعة و بدونها، و بين الدفع مع قصد التبرع
[١] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ١٢/ ٨٨.
[٢] الشيخ جعفر كاشف الغطاء، شرح القواعد، ٣٨.
[٣] علي بن عمر الدارقطني، سنن الدارقطني، ٣/ ٧.