أحكام المتاجر المحرمة - كاشف الغطاء، الشيخ مهدي - الصفحة ١٥٨ - هجاء المؤمنين
و الحاصل أنه يدور مدار الحكم الواحد و المراد الواحد، و أما في مثل كلام المصنفين و المؤلفين المتعددين فهو من الأوهام الغريبة، بل ربما نمنع ذلك في كلام المصنف الواحد، و لا نحمل المطلق فيه على المقيد، بل نجعل الثاني عدولًا عن الأول.
على أن مبنى التقييد العلم باتحاد التكليف، و مع إمكان كونهما تكليفين لا وجه للتقييد. و المفروض هنا احتمال الوضع للمطلق و المقيد قائم، بل ظاهر كلام الناقلين ذلك، فحمل إطلاق كلام أحدهما على الآخر مما لا وجه له، فمقتضى ما ذكرناه و قررناه الحكم بكونهما معاً معينين؛ لأنهما ناقلان عن الوضع و لا معارض لشيء منهما. نعم يمكن دعوى كون الهجاء متحد المعنى عرفاً؛ لصيرورته حقيقة عرفية في خصوص الذم بالشعر، كما أنه يمكن منع دعوى إرادة صاحب الصحاح [١] التعريف حتى يتجه الكلام السابق، و إنما غرضه إيكاله إلى العرف، و المفروض أنه في العرف الذم بالشعر، فيكون لغة و عرفا متحد المعنى، و هو الذم بالشعر.
و كيف كان فمن العجيب ما حكاه بعض من تأخر من أصحابنا عن جامع المقاصد من أن الهجاء هو ما ذكر في الإنسان من المعايب بالشعر [٢]؛ لأن ذلك لا يساعده عليه كلام أهل اللغة و لا العرف فتبصّر.
و كيف كان فإن قلنا: إن الهجاء هو ذم الإنسان بما هو فيه من المعايب بالشعر، فإن جعلنا الغيبة ذكر الإنسان بما هو فيه أيضا كان بينهما عموم و خصوص مطلق، و العموم في جانب الغيبة، و إن عممناه لما هو فيه و لغيره في الشعر و عممنا الغيبة كذلك كان أيضا بينهما عموم و خصوص مطلق، و العموم في جانب الغيبة، و إن خصصنا الغيبة بما فيه، و عممنا الهجاء و خصصناه في الشعر كان بينهما عموم و خصوص من وجه، و إن عممناه للشعر و النثر، لما هو فيه و لغيره كانا متساويين.
و كيف كان فإفراده بالبحث عن الغيبة؛ لأنه أشد تحريما لدوامه و حفظه و استمراره، و يدل على تحريم ذم المؤمن نثراً أو نظماً بما هو فيه و بغيره ما دل على حرمة إيذاء المؤمن و ظلمه و هتك حرمته و إدخال النقص عليه و محبة شياع الفاحشة
[١] الجوهري، الصحاح، ٦/ ٢٥٣٣.
[٢] المحقق الكركي، جامع المقاصد، ٤/ ٢٦.