الفوائد الجعفرية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٤٦ - التنبيه التاسع (في لزوم تقليد الأعلم)
هذا و لكن التخيير لا يخلو من قوة و الورع مرتبة وراء العدالة و عرفية معروف إذا تبين لك معنى الأعلم فالأكثر على تعيين الرجوع إليه و عدم جواز الرجوع إلى الأدون مع وجوده لأمور:
أولها: إن الخارج عن حرمة العمل بما وراء العلم قول الأعلم لأنه الفرد المتيقن من حيث أن كل من أجاز تقليد المفضول قال برجحانه، و الاحتياط أيضا قاض به فأصالة الشغل تقتضيه. و نوقش فيه بمعارضته بأصالة البراءة عن التكليف بتقليد الأعلم للزوم الضيق في الجملة، و جوابه أن البراءة إنما تجري عند دوران الأمرين التعيين و التخيير فتنفي التعين فيما إذا كان ذلك في الحكم الذي وظيفة الشارع بيانه و ليس للعقل مسرح فيه لا في الطريق الذي يجهل الوصول إلى المطلوب فيه فإن العقل حاكم بالأخذ بالموصل منها أو الأقرب بينها و لا يجوز العدول لغيره.
ثانيها: النصوص القاضية بذلك فمنها كتاب علي" (عليه السلام)" للأشتر: (اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك مما لا تضيق به الأمور و أقفهم في الشبهات ... الخ) و منها مقبولة ابن حنظلة رواها المشايخ الثلاثة و فيها قال" (عليه السلام)": (الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما حكم به الآخر) و منها خبر موسى بن أكيل عن أبي عبد الله" (عليه السلام)" قال: (ينظران إلى أعدلهما و أفقههما في دين الله فيمضي حكمه ... الخ) و المقبولة من بينها هي العمدة لصحة سندها و لذا وصفت بالقبول، و مناقشة الشهيد في طريقها لا يلتفت إليها. و صرح ثاني الشهيدين بأنها نص في المدعي و استند إليها الفاضل الهندي و غيره و دلالتها على المدعي ظاهرة بعد ضميمة عدم حمل الحكم فيها على ما هو المصطلح عليه في لسان الفقهاء و عدم صلاحية الدين و الميراث فيها قرينة على ذلك لأن الاصطلاح الخاص لا يعارض المعنى اللغوي بل يلزم تقديم المعنى اللغوي حيث لا قرينة على أن الحكم استعمل في لسان الشارع بما هو أعم من الفتوى مثل قوله تعالى: [وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ*] فاحتمال اختصاصها بالقضاء فقط و لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ الحكم لصراحة دلالة قول الراوي على عدمه لقوله و كلاهما اختلفا في حديثكم فإن الاختلاف في القضاء ليس اختلافا في الحديث و حملها أيضا على الترجيح في الحديث فتسقط عن الدلالة موهون بأن منازعة الحكمين في الرواية لا يوجب حمل الحكم على القضاء فيها إذ ربما كان النزاع للاشتباه في الحكم الشرعي فيرجعان إلى من يحكم بينهما في الفتوى دون القضاء و صريحها أن الحكمين حكما لا أن أحدهما حكم و الآخر أمضى و نفذ حكومته أو الآخر ناظر في حكمه للتحرز من الخطأ و عدمه لتحمل على ورودها في القضاء، و لو حملت على أن جمع الحكمين ليحكما معا فمع بعده يلزم أن يؤخذ بأسبق الحكمين إن لم يترجح أحدهما بما ذكر في الرواية و لو فرض صدور الحكمين دفعة واحدة تساقطا و الحكم التخيير فلا جرم من حملها على المعنى اللغوي الشامل للفتوى أو اختصاصها بترجيح الأخبار المتعارضة. سلمنا ورودها في القضاء لكن لا مفصل بينه و بين الإفتاء بل لا قائل بوجوب الرجوع إلى الأعلم في القضاء فقط و به نص الشهيد (رحمه الله) في المسالك فلا بأس بالركون إليها و بمعناها ما سواها، و الإنصاف أن دلالتها لا تخلو من ضعف فأما الأول فيظهر منه تقديم الأفضل حتى في بعض العلوم التي لا مدخل للفقه فيها مما هو في مكملاته و هو غير لازم فتحمل على الاستحباب. و أما المقبولة و التي بعدها فظاهرة في ترجيح الحديث ظهورا بينا و هو من