الفوائد الجعفرية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ١٣ - أما الآية
و أما الثالث: و هو القاعدة ربما يقال أو قيل بوجود الأصل في المقام بمعنى القاعدة و هو متصيد من خصوص الكتاب أو السنة أو الإجماع فمن الأول قوله تعالى [وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] و [إِنّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّٰهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ] إلى غير ذلك مما يدل على قصد الامتثال و الانقياد في الواجبات الشرعية، و أضاف بعض المتأخرين إلى ذلك آيات الإطاعة مثل: [أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ*] و لعل الاستدلال بمطلق مثل هذه الآيات لا وجه له. أما آيات الإطاعة فتقريب الاستدلال بها أن الإطاعة لازمه في أوامر الله تعالى فهي شرط في الأمر، و معنى الإطاعة هو الإتيان بالمأمور به على وجه الانقياد و الامتثال لعدم تحققها بدون ذلك و ذاك مفاديته القربة في الأوامر.
و فيه إن آيات الإطاعة و ما بمعناها مقررة لحكومة العقل بلزوم الانقياد و الامتثال و لا تفيد شيئا زائدا عليه فهي غاية ما تحكم بوجوب الإتيان بمطلوب المولى ما دام مريدا له و أما كون وجوبها يثبت حكما وضعيا و هو عدم سقوط الأمر و ارتفاع التكليف بدونها فلا، فلو ارتفع بوجوده في الخارج حسب ما أراد فلا إطاعة إذ لا طلب و لا ثبتت مقالة الخصم إلا بكون المطلوب لو حصل بدونها لم يرتفع الأمر و يجب تداركه إن أمكن و هذا شيء خارج عن معناها و لا يفهم منها ذلك جزما.
و الحاصل أن قصد الإطاعة و التقرب واجب و الإتيان بالمأمور به واجب آخر فلو حصل المأمور به من المأمور أو غيره طبق الأمر سقط التكليفان لارتفاع الأمر بحصول موضوعه و ارتفاع الأمر بالإطاعة التي تدور مدار وجوده بل يحتمل أن تكون الإطاعة هنا بمعنى عدم العصيان على حد إطاعة الوالدين و لا يعتبر قصد القربة في أمرهما إجماعا، و يؤيده الفهم العرفي فان المتبادر من أمرته فلم يطع أي انه عصى لكن لا ريب بمجازية هذا المعنى فالأحرى ما حررنا فإن الأمر الوارد على المكلف لا يخلو من إن يعلم تعبديته بدليل يقضي به أولا.
و الأول: لا ريب في وجوب التعبدية زائدا على الإطاعة المؤكدة لحكم العقل.
و الثاني: إما أن يعلم بكونه توصليا أو يشك فيه.
و الأول لا شبهة في عدم لزوم ذلك المعنى الزائد فيه على معنى الإطاعة بل المكلف متى أتى به بعنوان انه مراد منه حصلت الإطاعة و ارتفع الطلب و ان جاء به لا بهذا العنوان أيضا يرتفع الطلب و لم تحصل الإطاعة.
و الثاني و هو المشكوك يرجع فيه إلى ما يقتضيه الظهور اللفظي. و أما تعيين تعبديته بهذه الآية و ما بمعناها عند الشك فلا، إذ التعبد و التقرب لا يفيده لفظها لما عرفت. و زعم بعض المتأخرين ممن قارب عصرنا إن وجوب الإطاعة فيما ورد الأمر بفعله يجري مجرى قول الآمر (أكرم كل عالم) بعد محروزية عدم إرادة إكرام العالم الذي هو عدو للآمر المطاع و خروجه عن الكلية فلو شك في عالم مخصوص بأنه عدو أو صديق للمولى وجب الأخذ بالكلية و لزم إكرامه حتى يظهر انه معاد بخيال إن مفاد الآية هو وجوب الإطاعة في جميع أوامره فيعمل بالعموم فالمردد من الأوامر بين القسمين لا بد من القول بأنه تعبدي لما عرفت من عموم لفظ الإطاعة و ان معنى العبودية لازم لها و لا يمكن حصولها بسوى الأمر التعبدي.
و فيه وضوح الفرق بين المقاس و المقاس عليه كيف و الحكم في (إكرام كل عالم) معلق على موضوع العالم و الصداقة و العداوة من لوازم الموضوع و الشك في اللازم لا يخصص