بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٧ - إشارات الاستكبار
وَهُوَ يَخْفِقُ وَيَهْوِي بِرَأْسِهِ، مُصْفَرًّا لَوْنُهُ، قَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ، وَغَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ؟.
قَالَ: أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ الله مُوقِناً.
فَعَجِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله مِنْ قَوْلِهِ، وَقَالَ
إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ؟.
فَقَالَ
إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ الله! هُوَ الَّذِي أَحْزَنَنِي وَأَسْهَرَ لَيْلِي وَأَظْمَأَ هَوَاجِرِي، فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي وَقَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وَحُشِرَ الْخَلَائِقُ لِذَلِكَ، وَأَنَا فِيهِمْ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ وَيَتَعَارَفُونَ وَعَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ وَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ، وَكَأَنِّي الْآنَ أَسْمَعُ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي.
فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله لِأَصْحَابِهِ
هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ
الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ الشَّابُّ: ادْعُ اللهَ لِي يَا رَسُولَ الله! أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ.
فَدَعَا لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه واله فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ) [١].
بلى، إن هناك من يعيش مع الحقائق بصورة مباشرة وجدّية،
[١] الأصول من الكافي، ج ٢، ص ٥٣.