بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٦ - كيف نتحدى عوامل الضلال؟
فهذا الإنسان المبشّر بالخير والفوز والسعادة، قد نال كل هذه البشرى لأنه أولًا اجتنب الطاغوت ولم يتبع قائدًا أو حزبًا اتِّباع الأعمى. وثانيًا لأنه قوّم ما سمع، ونقده، ثم اتبع الأحسن؛ أي أنه اختار الأحسن بإرادته وحكمته. ومن الطبيعي أن يكون الفوز والفلاح له ولأمثاله دون الذين جعلوا أنفسهم عُرضةً لكل عاصفة، بل لعلّ من الناس من تزيحه ريح خفيفة لفرط ضعفه وهوانه.
بلى؛ إنّ الإنسان كائن مسؤول، وعليه أن ينتشل نفسه من نار غضب الله، من خلال التوجّه لربّ العالمين، وتذكّر نعمه عليه؛ ومن نعم الله أنه جعل في نفس كل إنسان القدرة على مقاومة إغراء الفساد وغواية الضلال؛ فهو يعلم أن من استمع إلى ناطق فقد عبده، فإن كان ينطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان. وهو يعلم أيضًا، أنه إذا قرأ كتابًا، أو شاهد فيلمًا، فعليه أن يقرأ ويشاهد بعين مفتوحة وقلب بصير، قادر على التقييم الصحيح ثم الاتباع الأحسن.
إنّ الإنسان مطالب بأَلَّا يسترسل مع الغرور بالله؛ أي بأن ينأى بنفسه عن كل ما يُبعده عن الله وعن القيم الحقّ، وعن الجدّية في الحياة، وهذا لا يتعارض أبدًا مع الانتماء إلى مجموعة من الناس هدفها الحقيقي وسلوكها الرصين يصبّان في خدمة الأمّة؛ إذ المهم أن يكون الانتماء انتماءً واعيًا.
فنحن لا ندعو إلى عدم الانتماء السياسي أو الثقافي أو غير ذلك، ولكننا ندعو إلى الاختيار الواعي لدى الانتماء، وهذا الاختيار ينبغي أن يكون قائمًا على الأسس والقيم الإلهية والمعايير الدينية الصحيحة، ثم استمرار هذه الوعي دائمًا، فإذا بدأت المجموعة بالانحراف اتخذ الفرد سبيلًا آخر.