الملل و النحل - البغدادي، عبد القاهر - الصفحة ٩٤
التسفل، و محال ان يصير الميت الثقيل حيا خفيفا، و ان يصير الحي الخفيف ثقيلا ميتا. ثم ان النظام فسر هذه البدعة: فانه قال ان الحيوان كله جنس واحد [١]، لا يفارقه في توليد الادراك، فزعم ان الجنس الواحد لا يكون منه عملان مختلفان، كما لا يكون من النار تبريد و تسخين، و لا من الثلج تبريد و تسخين.
و هذا تحقيق قول الثنوية ان النور يفعل الخير دون الشر، و ان الظلام يفعل الشر دون الخير، و ان الفاعل الواحد لا يفعل فعلين متضادين، كما لا يكون من النار و لا من الثلج تبريد و تسخين معا. و اعجب من هذا انه صنف/ كتابا على الثنوية و الزمهم فيه استحالة مزاج النور و الظلمة إذ [٢] كانا عنده مختلفين في الجنس و العمل، و كانت جهات حركتيهما مختلفة. ثم زعم ان الروح تداخل الجسد، و هي خفيفة، تتحول بطبعها الى فوق، و الجسد ثقيل متحرك الى اسفل. و المداخلة في المختلفين ابعد من المجاورة و المزاج بينهما.
و الفضيحة الخامسة قوله بان النار من شأنها انها تعلو كل شيء [٣]، و انها اذا سلمت من الشوائب (الحابسة) [٤] لها في هذا العالم، علت و جاوزت السموات و العرش، الى [٥] ان يلقاها من جنسها ما يتصل به. فلا تفارقه. و كذلك قال في الروح، اذا فارق الجسد ارتفع و احيا، و هذا معنى قول الثنوية ان الذي شاب من اجزاء النور بأجزاء الظلمة [٦] اذا انفصلت منها و ارتفعت الى عالمها، فان كان/ ثبتت النار و الروح عالما تخلصان إليه بعد الانفصال، فهو ثنوي.
[١] في المخطوط: فأن- في كتاب الفرق الكلام من: «فان قال ان الحيوان كله جنس واحد ... الى آخر الفقرة» هو الفضيحة الخامسة (بدر ص ١٢٠، الكوثري ص ٨٣، عبد الحميد ص ١٣٧) بينما هنا ألحق هذا الكلام بالفضيحة الرابعة.
[٢] في المخطوط: اذا.
[٣] الكلام هنا خاص بالفضيحة السادسة في كتاب «الفرق» (بدر ص ١٢٠، الكوثري ص ٨٣، عبد الحميد ص ١٣٧).
[٤] جاء في المخطوط «الخامسة».
[٥] في المخطوط: الا.
[٦] «إذ الذي شاب من اجزاء النور باجزاء الظلمة اذا انفصل منها ارتفع الى عالم النور» كما جاء في كتاب «الفرق» (بدر ص ١٢١، الكوثري ص ٢٨٣، عبد الحميد ص ١٢٧).
و لكن جاء في المخطوط هنا: ان الذي شاب من اخر النور بأجزاء الظلمة.