الملل و النحل - البغدادي، عبد القاهر - الصفحة ١٣٧
انهم لا يؤمنون؟ هل كانوا قادرين على الايمان أم لا؟ فان قلت: انهم لم/ يقدروا عليه. قلت بان اللّه بكلفهم ما لا يطيقون به، و هذا عندكم كفر. و ان قلت: انهم قادرون عليه، فما يؤمنك ان يكون قد وقع من بعضهم ما علم اللّه منه انه لا يقع، او اخبر بانه لا يقع على قوة اعتلالكم، و اعتلال النظام؟
و قالا لابي الهذيل: هذا لازم لنا. فما تقول انت؟- فقال: اقول ان اللّه قادر على ان يجور و يكذب، و على ما علم انه لا يفعله. فقالا له: أ رأيت لو فعل الجور و الكذب و ما علم انه لا يفعله كيف كان يكون حال الدلائل التي دلت على ان اللّه عز و جل لا يجور و لا يكذب و لا يفعل ما علم انه لا يفعله؟- فقال:
هذا محال.- فقالا له: فكيف يكون المحال فعله مقدورا عليه؟ و لم أحلت هذا مع كونه مقدورا للّه عز و جل عندك؟- فقال: لانه لا يقع الا عن آفة، و محال دخول/ الآفات على اللّه عز و جل.- فقالا له: و محال أيضا ان يكون اللّه قادرا على ما لا يقع منه الا عن آفة تدخل عليه. فبهت الثلاثة.- فقال لهم بشر بن المعتمر: انا اقول ان اللّه تعالى قادر على ذلك كله.- فقالوا: أ رأيت لو فعل ما قدر عليه من تعذيب الطفل ما كانت حال الدلائل التي دلت على ان اللّه لا يجور؟- فقال: لو عذب اللّه الطفل جائرا عليه في تعذيبه، لكان الطفل بالغا عاقلا، عاصيا، مستحقا للعذاب، و كانت الدلائل بحالها في دلالتها على عدله.- فقالوا له: سخنت عينيك، كيف يكون عادلا بفعل الجور؟- فقال لهم المردار: انا اقول انه لو فعل الجور و الكذب المقدورين له، كان إلها ظالما، كاذبا.- فقالوا له: كيف كان مستحقا للعبادة و المدح، و هو بالظلم/ و الكذب يستحق الذم؟- فقال لهم الأشبح [١]: انا اقول انه قادر على الجور و الكذب، و لو وقعا منه كانت الدلائل بحالها.- فقال له الاسكافي:
أخطأت، لان العدل لا ينقلب جورا و الجور لا ينقلب عدلا، و لكني اقول:
[١] جاء في ط. بدر ص ١٨٨ و في ط. الكوثري ص ١٢١ و ط عبد الحميد ص ٢٠٠ «الأشجّ» و يقول الكوثري في هامش ص ١٢١: رقم ١: هو من زعماء المعتزلة معاصر لبشر بن المعتمر.