الملل و النحل - البغدادي، عبد القاهر - الصفحة ١٣٦
و من مكابرات جمهورهم دعواهم ان الذي يقدر على ان يرتفع من الارض شبرا قادر على الصعود الى السماوات، كل بقة او بعوضة قادرة على شرب ماء البحار و الانهار، و على قتل اهل السموات و الارض. و يزعم اكثرهم ان الزنج و الترك قادرون على افتراض مثل قصائد العرب و على معارضة القرآن بمثله و ما هو افصح منه، و ان/ المقيد المغلل قادر على طفر الانهار و الصعود الى السماء.
و من لم يعد هذه مكابرة و لا وجه لانكاره مكابره السوفسطائية [١]، و كان فيهم رجل يعرف بقاسم الدمشقي يزعم ان حروف الصدق هي حروف الكذب باعيانها.
و ان حروف قول القائل: لا إله الا اللّه، هي حروف من قال لا إله الا المسيح.
و ان الحروف التي الفها النبي صلى اللّه عليه و سلم في كلامه هي الحروف التي الفها الشيطان في تكذيبه، و ان الحروف التي في القرآن في كتاب زرتشت المجوسي، و ان لم يكن هذه مكابرة فلا مكابرة في قول اهل العناد من السوفسطائية [٢].
و ذكر اصحاب التواريخ ان سبعة من زعمائهم اجتمعوا في مجلس و ظهرت محاربهم في مسألة القدرة على الظلم و الكذب، فقيل للنظام: هل يقدر اللّه عز و جل على ان يكذب؟ فقال: لو قدر عليه لم يدر لعله قد/ ظلم و كذب فيما مضى، او لعله يظلم او يكذب في المستقبل، و لم يكن لنا من ذلك امان الا من جهة حسن الظن به. فاما دليل مؤمن منه فلا، لان الدليل لا يخرجه من القدرة عليه، و ما قدر عليه لم يؤمن وقوعه منه. فقال له الاسواري: يلزمك على هذا ان لا يقدر على ما علمه انه لا يفعله او اخبرنا به لا يفعله، لانه لو قدر عليه لم يؤمن وقوعه منه فيما مضى، او في المستقبل.- فقال له النظام: هذا لازم، فما قولك فيه؟ قال: انا اسوي بينهما او اقول انه لا يقدر على الجور و لا على ما علم انه لا يفعله، و لا على ما اخبرنا به لا يفعله، و ان كان فعل مثله عدلا منه. فقال ابو الهذيل للاسواري: ما تقول في فرعون و من علم اللّه منهم
[١] الكلام الخاص بالزنج و الترك الى ... السوفسطائية، غير وارد في كتاب «الفرق».
[٢] ورد هذا الكلام عن قاسم الدمشقي في كتاب «الفرق» (ط. بدر ص ١٨٥، ط.
الكوثري ص ١١٩، عبد الحميد ص ١٩٨).