الملل و النحل - البغدادي، عبد القاهر - الصفحة ١٣٩
و صنف منهم قالوا بالارجاء و الجبر، على مذهب جهم. فهم معدودون في الجهمية.
و الصنف الثالث منهم مرجئة خالصة عن القدر و الجبر، و انما ضلت هذه الطائفة بالارجاء دون غيره. و هي فيما بينها خمس فرق، تكفر بعضها بعضا.
و هم: اليونسية، و الغسّانية، و الثوبانية، و التومنية، و المريسية.
و اختلفوا في وجه تسميتهم، فزعم الكعبي في «مقالاته» انهم مرجئة لتركهم القطع على عقاب من لم يتب عن كبيرة حتى/ مات. و هذا خطأ منه، لان الذين يرجون لاهل الكبائر من هذه المغفرة رجايته غير مرجئة. و انما المرجئة الذين اخروا العمل عن الايمان، دليله قول اللّه تعالى، فيما حكاه عن قوم فرعون، انهم قالوا: ارجأه و آخره [١]، اي أخره الى إن يجتمع السحرة عندك [٢]. و قولي ارجأه بغيرهم، و هو كالاول في المعنى. يقال منه ارجئت الامر و ارجأته، اي آخرته، و دليله أيضا من السنة قول النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيا». قيل: «يا رسول اللّه، من المرجئة؟» فقال: «الذين يقولون الايمان كلام». و في هذا دليل على انهم [٣] المرجئة الذين اخروا العمل على الايمان.
ذكر اليونسية منهم
هؤلاء اتباع يونس بن عون الذي زعم ان الايمان في القلب و اللسان، و انه/ هو المعرفة باللّه تعالى، و الخضوع له، و المحبة له، و الاقرار بانه واحد، «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [٤]، ما لم يقم عليه حجة الأنبياء، عليهم السلام. فان قامت عليهم حجتهم كالتصديق لهم، و معرفة ما جاء من عندهم في الجملة من الايمان. و ليست معرفة تفضيل ما جاء من عنده ايمانا، و لا من جملته. و قالوا: ليس كل خصلة
[١] جاء في المخطوط: ارجه و اخاه، و هذا خطأ من الناسخ.
[٢] لم يرد ذكر هذا القول عن قوم فرعون في كتاب «الفرق بين الفرق»- (راجع ط. الكوثري ص ١٢٢ و طبعة عبد الحميد ص ٢٠٢، ط. بدر ص ١٩٠) و لكن ورد قول النبي (ص) في كتاب «الفرق»: لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيا.
[٣] ورد في المخطوط: ان.
[٤] سورة الشورى: مكية ١١.