الملل و النحل - البغدادي، عبد القاهر - الصفحة ١٥١
تحقيق كون الاله قادرا على شيء لا يقدر على اقراره.
و قالوا في باب التعديل و التجوير ان اللّه لو علم انه لو خلق الخلق لم يؤمن به احد منهم لكان خلقه لهم عبثا منه، و انما حسن منه احداث الخلق بعلمه بان بعضهم يؤمن به، فحجروا على ربهم احداث الكفرة على الانفراد، مع علمهم بان كفر الكافرين لا يضره كما لا ينفعه ايمان المؤمنين.
و زعم قوم منهم ان اوّل خلق يخلقه اللّه عز و جل يجب ان يكون حيا، يصح منه الاعتبار، و انه لو بدأ بخلق الجمادات لم يكن حكيما. و زادوا في هذا على القدرية الذين قالوا لا بد من ان يكون في جملة الخلق من يصح منه الاعتبار مع جواز الابتداء بالجمادات، و قد صح الخبر بان اللّه بدأ باحداث اللوح و القلم، ثم اجرى/ القلم على اللوح بما هو كائن الى يوم القيامة.
و زعموا أيضا انه لا يجوز في حكمة اللّه تعالى اخترام الطفل الذي يعلم انه لو بلغ لآمن، و لا الكافر الذي في علمه انه لو زاد في عمره لآمن، الا ان يكون في اخترامه اياه قبل وقت ايمانه صلاح لغيره. و هذا قول اكثر القدرية.
و قلنا للكرامية: اذا لم توجبوا على اللّه ان يفعل بالعبد ما هو اصلح له، فكيف اوجبتم عليه ان يفعل به الاصلح بغيره؟
و زعموا ان النبوة و الرسالة صفتان قائمتان بالنبي الرسول سوي الوحي إليه و سوي ارساله اياه.
و زعموا ان من حصل فيه تلك الصفة وجب على اللّه عز و جل ارساله. و زعموا انه لا يجوز من اللّه تعالى عزل الرسول عن رسالته قبل موته.- و زعموا انه يصح من النبي كل ذنب لا يوجب حدا، و لا يسقط عدالته، و اجاز بعضهم عليه الخطأ في التبليغ/ و زعم ان نبينا صلى اللّه و سلم اخطأ في سورة «و النجم» حتى جرى على لسانه «تلك الغرانيق العلى و انّ شفاعتها ترتجى» [١]. و قال اصحابنا:
ذلك من القاء الشيطان في خلال تلاوة النبي صلى اللّه عليه و سلم. و اوجبوا عصمة الأنبياء عليهم السلام عن الذنوب بعد النبوة، و تأولوا ما ذكر في القرآن من ذنوبهم على وقوعها قبل نزول الوحي عليهم، و حجرته الكرامية على ربها
[١] مسألة «الغرانيق» اخلوقة ساقطة (انظر ط الكوثري ص ١٣٥ هامش رقم ١ و ٢).