الملل و النحل - البغدادي، عبد القاهر - الصفحة ١٥٦
و مما يؤكد هذا الذي قلنا ما عرفته الخاصة من ائمة الدين من اهل السنة، و قد عرفوا جميعا انه لم يكن قط في الخوارج و لا في الروافض و لا في القدرية و لا في النجارية و لا في الجهمية و لا في الجسمية الكرامية امام صار صاحب مطلب في الفقه، و لا امام مقبول للرواية في الحديث، و لا امام في القرآن، و لا امام يقتدى به في التفسير، و لا في الوعظ و التذكير، و لا امام في النحو و اللغة.-
و ائمة هذه العلوم على الخصوص و العموم من اهل السنة و الجماعة، كمالك و الشافعي و ابي حنيفة و الاوزاعي و الثوري و احمد و إسحاق و ابي ثور و اقرانهم في الفقه، و كشعبة و الثوري/ و يحيى بن سعيد و يحيى بن معين، و عبد الرحمن بن مهدي، و علي ابن المديني و محمد بن اسماعيل و مسلم بن الحجاج، و اقرانهم في حفظ الحديث، و معرفة الحرج و التعديل، و كالقرّاء السبعة و اقرانهم في القرآن.
و كالخليل و ابي عمرو بن العلاء، و الاخفش، و سيبويه، و الفراء، و الزجاج، و سائر ائمة النحو في علم النحو.
كل هؤلاء من اهل السنة و الجماعة [١].
و انما نسب المبرد النحوي الى القدر لانه شان نفسه بمجالسة الجاحظ و معاشرته.
و مما تحقق الهداية و النجاة لاهل السنة قول اللّه عز و جل: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» (سورة العنكبوت، مكية ٦٩). و الجهاد جهادان، احدهما بالجدل مع اهل الزيغ لاظهار الحق و تحقيقه، و ابطال الباطل و تزهيقه. و هذا الجدل ظاهر في اهل السنة في علم الفقه و في علم الكلام و الاصول معا، و جدال/ خصومهم، كما قال اللّه تعالى: «وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ» (٤٠/ ٥)- و الجهاد الثاني بالقتال في ثغور الاسلام مع اصناف الكفرة في الاطراف [٢].- و لم يكن
[١] ما يذكره هنا المؤلف في هذا الباب الرابع جاء في الباب الخامس من كتابه «الفرق بين الفرق» (ط. بدر ص ٢٩٩- آخر الكتاب؛ الكوثري ص ١٨٨- ٢٢٣، عبد الحميد ص ٣١٢- آخر الكتاب) و هكذا يكون كتاب «الملل و النحل» للبغدادي محلولة أولى عرض فيها مواقف اهم الفرق ثم توسع كثيرا في كتاب «الفرق بين الفرق» و اضاف أيضا الكثير من الفرق التي لم يأت ذكرها في «الملل و النحل».
[٢] في كتاب «الفرق بين الفرق» صنف البغدادي اهل السنة و الجماعة ثمانية اصناف