الملل و النحل - البغدادي، عبد القاهر - الصفحة ١٥٠
و لو خلق عرشا آخر او عروشا كثيرة لصار الجميع مكانا له. و هذا يوجب ان يكون العرش المعروف كبعض الاله في عرضه. و منهم من قال: لو خلق بإزاء العرش عرشا آخر كان العرش الاول مكانا له دون الثاني. و هذا يوجب ان عرضه/ كعرض العرش المعروف الآن.
ثم انهم قالوا بقول ان اللّه له حد و نهاية واحدة، و لا نقول انه محدود، متناه لنفينا عنه الحد و النهاية في خمس جهات.- و قالوا ان اللّه محل الحوادث، يحدث عنه اعراض كثيرة و هي اقواله و ارادته (و ادراكاته) [١] المرئيات (و ادراكاته) [٢] للمسموعات و مماساته لما تحته من العرش.
و زعموا انه لا يحدث في العالم جسم و لا عرض الا بعد حدوث اعراض كثيرة في ذات الاله، منها قوله لذلك «كن موجودا»، و كل حرف من هذا القول عرض حادث فيه. و منها ارادته بحدوث ذلك الحادث. فاذا حدث القول و الإرادة فيه، حدث المراد المقول له «كن». و عند حدوث هذا المراد تحدث في اللّه تعالى رؤية له، و ان كان الحادث كلاما او صوتا حدث في اللّه/ استماع له، و لو لم يحدث منه الادراك له لم يكن له رائيا و لا سامعا. و قد نعقوا بهذه البدعة على انفسهم دلالة الموحدين على حدوث الاجسام، لانهم استدلوا على حدوث الاجسام بحلول الاعراض الحادثة فيها، و قالوا: ما كان محلا للحوادث لم يخل من الحوادث، و لم يسبقها، و ما لم يسبق الحوادث كان محدثا. فاذا زعمت الكرامية ان معبودها محل الحوادث فانه سابق لها، صاروا الى مثل قول اهل الهيولى الذين زعموا ان هيولى العالم الآن محل الحوادث، و هو سابق لها.
و زعمت الكرامية أيضا ان اللّه كما لا يخلق في العالم شيئا الا بعد حدوث اعراض كثيرة فيه، كذلك لا يعدم من العالم شيئا الا بعد حدوث اعراض فيه، منها ارادته لفناء ذلك الفاني.- و منها قوله: «افن» او «كن معدوما»، فصارت الحوادث في العالم كله.- و زعم اكثرهم ان الحوادث/ فيه عندهم اضعاف جميع الحوادث التي تحدث في اللّه عز و جل، لا يجوز عدمها. و هذا
[١] في المخطوط: و الراية.
[٢] في المخطوط: و الداماته.