الملل و النحل - البغدادي، عبد القاهر - الصفحة ١١١
يكتب و لا يجوز ان يذكر. و زعم الفوطي ان الوكيل في الرتبة دون الموكل. و هذا/ من جهله باللغة، لان الوكيل في اللغة بمعنى الكافي، و منه يسمى وكيل الرجل وكيلا لانه يكفيه ما وكله فيه، و هذا معنى قولنا: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ». و معنى حسبنا: كاف، لان ما بعد «نعم» ينبغي ان يكون موافقا لمن قبله، كقولنا:
اللّه رازقنا و نعم الغافر، و قد يكون الوكيل بمعنى الحفيظ، و منها قول اللّه تعالى: «قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ» [١]، اي بحفيظ. و يقال في نقيضه: رجل و كل، اي بليد غير حفيظ، و الوكالة البلادة. و اذا كان الوكيل بمعنى الكافي و الحفيظ، و كان اللّه تعالى كافيا و حفيظا، كان المانع من تسمية اللّه تعالى وكيلا جاهلا بمعاني الأسماء في اللغة.- ثم ان الفوطي طرد بدعته هذه، فمنع من اطلاق كثير مما نطق به القرآن، فمنع ان يقال ان اللّه تعالى اضل الفاسقين، مع قول اللّه تعالى: «وَ ما/ يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» [٢].- و منع ان يقال في القرآن انه عمي على الكافرين، و قد اخبر اللّه تعالى بذلك، كما اخبر بان القرآن هدى للمتقين. و منع ان يقال: انه الف بين قلوب المؤمنين، مع قول اللّه تعالى:
«وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ» [٣].- و كان اصحابنا يتعجبون من اطلاق البصرية المعتزلة في اوصاف اللّه تعالى على ما يقتضيه القياس عندهم من غير اصل له في الكتاب و السنة، و زال هذا التعجب بامتناع الفوطي و خلفه المعروف بعباد بن سليمان من اطلاق ما نطق به القرآن و السنة.
- و من فضائح الفوطي قوله بان الاعراض لا تدل على اللّه تعالى و لا على رسله و لا شيء من احكامه؛ و ان فلق البحر، و قلب العصا حية، و احياء الموتى [٤]، و انشقاق القمر لا يدل شيء منه/ على صدق من ظهر عليه.- هذا قول الفوطي و صاحبه عباد بن سليمان العمري، و زعما ان الدليل على اللّه و على رسله
[١] سورة الانعام: مكية ٦٦
[٢] سورة البقرة: مدنية ٢٦
[٣] سورة الانفال: مدنية ٦٣
[٤] «أحياء الموتى» غير وارد في كتاب «الفرق» (ط. بدر ص ١٤٨، الكوثري ص ٩٨، عبد الحميد ص ١٩٢).