شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٧٣ - باب في ذكر رضاع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)
قالت: فكنت أجدّ و أسوق الأتان فتمشي على المجهود منها كأنها تنزع يديها و رجليها من الوحل من شدة الضعف، قالت: فجعلت لا أمر بشيء إلا استطال علي فرحا و نادتني الأشياء من كل مكان: هنيئا هنيئا لك يا حليمة، قالت: فكنت لا أقدر أمر وحدي لما أسمع من النداء و العجائب حولي، فبينا أنا كذلك إذ برز إليّ من الشعب بين الجبلين رجل كالنخلة الباسقة و بيده حربة يلوح لمعانها من النور، فرفع يده اليمنى فضرب بطن الحمار ضربة و نادى: مرّي يا حليمة بكل سلاماتك، فقد أنزل اللّه بشارتك، مري فقد أمرني الرحمن أن أدفع عنك اليوم كل شيطان مريد و جبار عنيد، قالت: فقلت لصاحبي: يا فلان أ ترى و تسمع ما أسمع؟ فيقول: لا، ما لك كالخائفة الوجلة؟ قالت: فقلت:
أخاف أن لا ألحق من قومي أحدا.
فجعلت أسير حتى نزلنا جميعا متوافين كلنا فرسخين من مكة، فلما أصبحت دخلت مكة و قد سبقني كل نساء بني سعد إلى كل رضيع بمكة، فكدت أنقلب خاوية، فقلت لصاحبي: أنت رجل و أنا امرأة فادخل و اسأل عن أعظم الناس نذرا و خطرا، قالت: فرجع عليّ فقال:
بنو مخزوم، قالت: قلت: ليس كذا، سل سؤالا أشفى من هذا، سل من أعظم الناس كلهم قدرا و خطرا، قالت: فرجع إليّ فقال: عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، قالت: فأقعدت صاحبي في الرحل، و دخلت مكة فأصبت نساء قومي و قد سبقنني إلى كل رضيع في قريش.
قالت: فندمت أشد الندامة على دخول مكة و قلت في نفسي:
لو أني أقمت في منزل من منازل بني سعد لكان أحسن لحالتي، و آيست عندها، فجعلت أدخل بيتا و أخرج من الآخر فإذا نساء قومي قد سبقنني