شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٢٢٠ - فصل ذكر حديث قس بن ساعدة
من الطير قبل الضعيف، قال: فرأيت يا رسول اللّه القوي من الوحش يتأخر حتى يشرب الضعيف، فلما نحى ما حوله هبطت إليه من ذروة- ذات رتاج، و بحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟
أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا هناك فناموا؟ أقسم قس قسما حقا لا حانثا فيه و لا آثما: إن لله تعالى دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، و نبيّا قد حان حينه، و أظلكم أوانه، و أدرككم إبانه، فطوبى لمن آمن به فهداه، و ويل لمن خالفه و عصاه، ثم قال: تبّا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية، و القرون الماضية، يا معشر إياد، أين الآباء و الأجداد؟ و أين المريض و العواد؟ و أين الفراعنة الشداد؟ أين من بنى و شيّد؟ و زخرف و نجد؟ و غره المال و الولد؟ أين من بغى و طغى، و جمع فأوعى، و قال: أنا ربكم الأعلى؟ أ لم يكونوا أكثر منكم أموالا، و أبعد منكم آمالا، و أطول منكم آجالا؟ طحنهم الثرى بكلكله، و مزقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، و بيوتهم خالية، عمرتها الذئاب العاوية، كلّا، بل هو اللّه الواحد المعبود، ليس بوالد و لا مولود!! ثم أنشأ يقول:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر و رأيت قومي نحوها يمضي الأصاغر و الأكابر لا يرجع الماضي إليّ و لا من الباقين غابر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر قال: ثم جلس.
فقام رجل من الأنصار بعده كأنه قطعة جبل، ذو هامة عظيمة، و قامة جسيمة، قد دور عمامته، و أرخى ذوائبه، منيف أنوف أحدق، أجش الصوت، فقال: يا سيد المرسلين، و صفوة رب العالمين، لقد رأيت من قسّ عجبا، و شهدت منه مرغبا، فقال: ما الذي رأيته منه و حفظته عنه؟-