نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٤٦ - ١٤ كيف اتصل الفضل بن مروان بالمأمون و وزّر له
فأيست من خيره، و اتفق له بعد ذلك، خروج عن مدينة السلام، فتعاللت عليه، و لم أتبعه، و لزمت الديوان، و تعلّمت، فصرت كاتب مجلس في ديوان الرشبد [١] ، و كان ذلك أوّل إقبالي[١٥]، و تخرّجت، و زادت حالي مع الأيّام.
فلما ولي المأمون، و عظّم من أمر المعتصم، كان المعتصم شديد المحبّة للصيد، و كنت في فتنة محمد المخلوع، قد صرفت ما كنت جمعته في ضياع و بساتين بالبردان [٢] و صاهرت بعض تنّائها، و اجتمعت لي حال، فلما انجلت الفتنة، كنت من وجوه البردان.
فاجتاز بها المعتصم، منصرفا من صيده، متسرّعا، و ليس معه من أصحابه كبير أحد.
فاجتاز في الطريق، و أنا واقف على بابي، فتوسّمت فيه الجلالة، و قدّرته أحد وجوه القوّاد.
كان لي وعد على عامل البلد، أن يكون ذلك اليوم في دعوتي، و قد أعددت له طعاما، و فيه جداء، و حلوى، و فاكهة كثيرة، و ثلج استدعيته من بغداد، و كان قبل ذلك بساعة، قد جاءني خبر العامل، أنّه عرض له مهمّ في السواد، فخرج لوقته.
فلما رأيت المعتصم، و توسّمت فيه الجلالة، قلت: لم لا أحلف على هذا القائد، و أضيفه عندي على هذا الطعام المعدّ؟ قال: فكلّمته، و سألته النزول عندي.
فأجاب، و نزل، و أكل، و شرب، و أنفذت في الحال، فاستدعيت له
[١] راجع القصة السالفة ٨/١٣ من النشوار.
[٢] البردان: قرية من قرى بغداد على سبعة فراسخ منها قرب صريفين، و هي من نواحي دجيل (معجم البلدان ١/٥٥٢) .