نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٧ - ٦٠ الخليفة المهدي و وزيره أبو عبيد اللّه
و لقد كنت أحبّه، مع إجرائي إيّاه مجرى الوالد، و كنت أجتهد به أن يدعوني إلى داره، فيمتنع، و يزعم أنّه لا تتّسع همّته، و لا نعمته، لذلك.
إلى أن اعتلّ علّة عظيمة، فتمادت الأيام به، و لم أعده، إلى أن كتب إليّ باستقلاله، و أنّه قد عمل على الركوب إليّ، بعد يوم أو يومين، فسابقته، و ركبت إليه في خفّ من غلماني و خاصّتي.
فلما دخلت إليه، قلت له: قد كنت أجتهد بك أن تدعوني[٥٢]، فتأبى، و الآن، قد جئتك جامعا للعيادة، و التهنئة بالعافية، و الدعوة.
فقال: و اللّه، يا أمير المؤمنين، ما لي طعام، و لا غلمان، و لا زيّ يصلح لدعوتك.
فقلت: قد فرغت لك من ذلك، و تقدّمت إلى غلماني، بحمل الآلات، و الطعام، و الأشربة، و جميع ما يحتاج إليه، و إنّما أردت تشريفك، و الأنس بك.
قال: و جاء الغلمان، بآلات، و فرش لي، و جلست، و هو معي، فأكلنا، و جعل يتحفني من منزله، بالفاخر من الفرش، و الآنية، و الآلات هدية لي، كما يفعل الناس، فأخذت كلّما يحمله من أحسن شيء، و أجمله، و أرشقه، فازداد ابتهاجا به.
ثم دعوت بالشراب، فلما شربت ثلاثة فقط، عملت على الانصراف.
فلما أحسّ بذلك، قال لي: أريد أن أبكي، و أنا أتطيّر أن أبكي بعد انصراف أمير المؤمنين، و أنا أستأذنه في البكاء بحضرته.
قال: و تحدّرت دموعه عقيب الكلام، فبكى بكاء شديدا.
فقلت له: يا هذا، أنا أعلم أنّ فيك شحا، تسميه حسن التدبير، و ما يحسن منك أن تبكي، فإن كان ندما على ما أهديته، فهو مردود بلا شكّ.
قال: فحلف بأيمان عظيمة، و انزعج انزعاجا شديدا، أنّه ما بكى لذلك.