نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٦٢ - ٧٠ أبو عبد اللّه الكوفي يعاقب ملاّحا على سوء أدبه
عليه الضريبة، و تستخرجها منه.
فقال: لا و اللّه، إلاّ الإحراق.
قال: فاجتهدت به، فلم يكن في يدي منه شيء.
و توجّه النفّاطون، و الرجّالة، إلى الزورق، فضربوه بالنار، و أقبل الملاح يلطم، و يصيح، و يقول: يا قوم، فيه أموال الناس، قد افتقروا، و افتقرت، و يستغيث بالمسلمين، و لا يقدم أحد على إغاثته.
و أحرقت قلوس [١] الزورق، التي كانت تربطه، و تمسكه، و خرج منه الملاّحون، و طرحوا أنفسهم إلى الماء.
فانحدر مع الماء لنفسه، و النار تشتعل فيه، فوقع على الجسر، فقطعه، و انحدر، حتى انتهى إلى موضع معسكر سيف الدولة، و كان نازلا في المأصر [٢] بواسط.
و الملاّح[٦٣]في بكائه وراءه، لا يجسر أن يطفئ النار، و لا يقدر على أكثر من أن يلطم و يصيح.
فلما رأى سيف الدولة الصورة، استهولها، مع صياح الملاّح، و قوله فيه أموال، فاستدعاه، و قال: أيش فيه؟.
[١] القلوس: حبال السفينة، مفردها قلس.
[٢] المأصر: محبس يمد على طريق أو نهر يؤصر به السفن و السابلة، أي يحبس، لتؤخذ منهم العشور (لسان العرب) ، و في التاج و اللسان: حبل يلقى في الماء لمنع السفن عن السير حتى يؤدي ما عليها من حق السلطان، في دجلة و الفرات، قال ابن رستة، في كتاب الأعلاق النفيسة ١٨٤ و ١٨٥ في وصفه الطريق بين بغداد و البصرة: و بالحوانيت، أصحاب السيارة، و المأصر من قبل السلطان، و المأصر: أن تشد سفينتان من أحد جانبي دجلة، و سفينتان من الجانب الآخر، و تشد السفن على شطين، ثم تؤخذ قلوس على عرض دجلة، و تشد رءوسها إلى السفن لئلا تجوز السفن بالليل، و حدّثني المرحوم الشيخ علي الشرقي رضي اللّه عنه: أن بلدة الحي الموجودة الآن على الغراف، هي حي العشارين الذين كانوا يقيمون على المأصر بواسط، و قد نمت حتى أصبحت مدينة، و زالت واسط من الوجود.