نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٨ - ٦٠ الخليفة المهدي و وزيره أبو عبيد اللّه
و قال: كيف أبكي على ما سبيلي أسرّ به، حيث جعلتني أهلا لقبوله؟ قال: فقلت: فلم تبكي؟ قال: لم تبق مرتبة تنال، إلاّ و قد نلتها، و بلغتها، بفضل أمير المؤمنين، و تطوّله، حتى انتهت بي الحال، إلى أن وصلت، من مال أمير المؤمنين، بأمره، و عن أمره، في ليلة واحدة، و هي ليلة ورد الخبر بوفاة أمير المؤمنين المنصور صلوات اللّه عليه، و أخذت بيعة ثانية لأمير المؤمنين على الناس، بعشرة آلاف ألف درهم، و في هذه العلّة، تصدّقت بجميع ما في خزانتي من المال، و كان أربعة آلاف ألف، بعد أن استأذنت أمير المؤمنين، فأذن لي، و لم يكن بقي، إلاّ أن يعودني أمير المؤمنين في علّة، أو يهنئني بحال متجددة، أو يصير إلى دعوتي، فلمّا كان اليوم، جمع أمير المؤمنين لي ذلك، فعلمت أنّي قد بلغت النهاية، و أنه ليس بعدها إلاّ الانحطاط، فبكيت لذلك[٥٣].
قال: فرققت له، و علمت فضله، و قلت له: أمّا في أيامي، فأنت آمن ذلك، و إن أصابك شيء بعدي، فالحياة-على كلّ حال-خير من الموت، و لك بي أسوة.
و اعتقدت أن لا أنكبه.
فلما رأى الربيع [١] عظم منزلته، حسده، فجدّ في السعاية إليّ به، و الفساد بيننا، و الحيلة عليه عندي، إلى أن جرى في أمر ابنه، و إقراره بالزندقة، ما لم يسع معه، أن لا يقتل، فقتلته، و خفت أن يكون قد استوحش لذلك فلم آمنه على نفسي، فاحتجت إلى صرفه، فصرفته، و حرست نفسه، و بقيت نعمته، و استحال الأمر عما عقدته له.
و كان الأمر على ما ظنّه، من النقصان بعد التناهي.
[١] الربيع بن يونس بن محمد بن عبد اللّه بن أبي فروة: ترجمته في حاشية القصة ٦/٧٧ من النشوار.