نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢١٢ - ٩٤ و ما قتل الأحرار كالعفو عنهم
فحكى عن نفسه، أنّه مشى ثلاثة أيام، قال: و لم أطعم طعاما، و لم يكن معي فضّة و لا ذهب، فأبتاع به مأكولا، و أنفت أن استطعم، و لم أقدر على إظهار ما معي.
قال: فجلست على قارعة الطريق، و إذا برجل هنديّ، مقبل، على كتفه كارة، فحطّها، و جلس حذائي.
فقلت: أين تريد؟ فقال: الجدام الفلاني.
و معنى الجدام: الرستاق.
فقلت له: هذا الجدام الفلاني أريد، فنصطحب.
قال: نعم.
فطمعت أن يعرض عليّ شيئا من مأكوله، قال: فحلّ الكارة، و أكل، و أنا أراه، و لم يعرض عليّ، و أنفت أن أبتدئه بالسؤال.
و قام يمشي و قد شدّها، فمشيت معه، و تبعته، طمعا في أن تحمله الإنسانية و المؤانسة على العرض [١] ، فعمل بالليل، كما عمل معي بالنهار.
قال: و أصبحنا من غد، و مشينا، فعاملني بمثل ذلك، [و ظلّ]على هذا سبعة أيام، لم أذق شيئا.
فأصبحت في اليوم الثامن، ضعيفا، لا قدرة لي على الحركة، فرأيت جداما في حاشية الطريق، و قوما يبنون، و قيّما عليهم، يأمرهم.
قال: ففارقت الرجل، و عدلت إلى الوكيل، فقلت: استعملني بأجرة تعطنيها عشيا، مثل هؤلاء.
فقال: نعم، ناولهم الطين.
[١] في الأصل: و العرض.