نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢١٥ - ٩٤ و ما قتل الأحرار كالعفو عنهم
يكفي الناس المئونة التي كانت لحقته.
[فلما كان]بعد حول، استعرض الناس، قال: و قد كان يستعرضهم في كل شهر، فلا يرى الرجل، فيصرفهم.
فلما كان ذلك اليوم، رأى الرجل بينهم، فحين وقعت عليه عينه، أعطاه ورقة تنبول [١] ، و هذه علامة غاية الإكرام، و نهاية رتبة الإعظام، إذا فعله الملك بإنسان من رعيته [٢] .
قال: فحين فعل الملك بالرجل ذلك، كفّر له، و قبّل الأرض، فأمره الملك بالنهوض، و نظر إليه، فإذا هو ليس يعرف الملك، فأمر بتغيير حاله، و إحسان ضيافته، ففعل، ثم استدعاه.
فقال له: أ تعرفني؟ قال: و كيف لا أعرف الملك، و هو من حاله، و عظم شأنه، و علوّ سلطانه.
قال: لم أرد هذا، أ تعرفني، من قبل هذه الحال؟
[١] التنبول: نبات هندي، يمضغ ورقه كما يمضغ العلك، من فصيلة الفلفليات (المنجد) ، و جاء في مروج الذهب ١/١٥٧: التنبول: ورق ينبت كأصغر ما يكون من ورق الأترج، يمضغ هذا الورق بالنورة المبلولة مع الفوفل، و استعماله يشد اللثة، و يقوي عمود الأسنان، و يطيب النكهة، و يزيل الرطوبة المؤذية، و يشهي الطعام، و يعين على الباه، و يحمر الأسنان حتى تكون كأحمر ما يكون من حب الرمان، و يحدث في النفس طربا و أريحية، و يقوي البدن، و يثير من النكهة روائح طيبة، أقول: أبصرت في صباي، ورق التنبول، يباع في أسواق بغداد، و كانت له سوق رائجة عند الهنود الذين رافقوا الحملة البريطانية في العراق و استقروا فيه مدة الاحتلال البريطاني، و ورقة التنبول تشبه ورقة شجر النارنج، و قد طلي أحد وجهيها بمادة إلى السواد أميل.
[٢] قال ابن بطوطة في رحلته ٢/٧٠: إن سلطان الهند لما قدم عليه الأمير غياث الدين ابن الخليفة، أخذ التانبول بيده و أعطاه إياه، و هذا أعظم ما أكرمه به، فإنه لا يفعله مع أحد.