نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٥٢ - ٦٦ عافية القاضي يستقيل من القضاء
مشكلة، و كلّ يدّعي بيّنة و شهودا، و يدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل و تثبّت، فرددت الخصوم، رجاء أن يصطلحا، أو يتعيّن لي وجه فصل ما بينهما.
قال: فوقف أحدهما، من خبري، على أنّي أحب الرطب السكر [١] ، فعمد، في وقتنا، و هو أول أوقات الرطب، إلى أن جمع رطبا سكّرا، لا يتهيّأ في وقتنا جمع مثله إلاّ لأمير المؤمنين، و ما رأيت أحسن منه، و رشا بوّابي جملة دراهم، على أن يدخل الطبق إليّ، و لا يبالي أن يردّ، فلما أدخل إليّ، أنكرت ذلك، و طردت بوّابي، و أمرت بردّ الطبق، فردّ.
فلما كان اليوم، تقدم إليّ مع خصمه، فما تساويا في قلبي، و لا في عيني، و هذا يا أمير المؤمنين، و لم أقبل، فكيف لو قبلت، و لا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني، فأهلك، و قد فسد الناس، فأقلني، أقالك اللّه، و اعفني [٢] .
فأعفاه [٣] .
[١] الرطب السكر: من أحسن أنواع الرطب، و يسمى الآن في العراق: السكري، و هو شديد الحلاوة، و يؤكل خلالا، و رطبا، و تمرا.
[٢] راجع خلاصة الذهب المسبوك ١٢٤ و ١٢٥.
[٣] خاصم أبو دلامة، رجلا إلى القاضي عافية، فقال:
لقد خاصمتني غواة الرجا # ل و خاصمتهم سنة وافيه
فما أدحض اللّه لي حجة # و لا خيب اللّه لي قافية
و من كنت من جوره خائفا # فلست أخافك يا عافيه
فقال له عافية: لأشكونك إلى أمير المؤمنين، قال: لم تشكوني؟قال: لأنك هجوتني، قال: و اللّه، لئن شكوتني إليه ليعزلنك، قال: و لم؟قال: لأنك لا تعرف الهجاء من المديح (تاريخ بغداد للخطيب ١٢/٣١٠) .