وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢١٥ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
قلت: أما الدعاء و التوسل هناك فله أصل عنهم، و الذي لم ينقل إنما هو هذا الترتيب المخصوص و الظاهر أن المراد بذلك تأخير الدعاء عن السلام على الشيخين و الجمع بين موقفي السلف: الأول الذي كان قبل إدخال الحجر، و الثاني الذي كان بعده، و هو حسن، بل سبق أوائل سادس فصول الباب الخامس من رواية ابن شبة أن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم حين فرغ من دفن ابنه إبراهيم قال عند رأسه: السلام عليكم، و هو ظاهر في السلام من جهة الرأس.
و منها: أن يأتي المنبر الشريف، و يقف عنده، و يدعو الله تعالى، و يحمده على ما يسّر له، و يصلي على رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يسأل الله سبحانه و تعالى من الخير أجمع، و يستعيذ به، كما قاله ابن عساكر، زاد الأقشهري عقبه: كما كانت الصحابة تفعل. يشير إلى ما رواه عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا خلا المسجد يأخذون برمانة المنبر الصلعاء التي كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يمسكها بيده، ثم يستقبلون القبلة و يدعون.
و في الشفاء لعياض عن أبي قسيط و العتبي (رحمهما الله): كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و (رضي الله تعالى عنهم) إذا خلا المسجد حبسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون.
و قال النووي عقب ما تقدم عنه: ثم يأتي الروضة فيكثر فيها من الدعاء و الصلاة، و يقف عند القبر و يدعو.
قلت: و يقف أيضا و يدعو عند أسطوان المهاجرين، و يتبرك بالصلاة عندها و كذا أسطوان أبي لبابة، و أسطوان المحرس، و أسطوان الوفود، و أسطوان التهجد بعد أن يسلم على فاطمة الزهراء (رضي الله تعالى عنها) عند المحراب الذي في بيتها داخل المقصورة؛ للقول بدفنها هناك كما سبق.
و منها: أن يجتنب لمس الجدار، و تقبيله، و الطواف به، و الصلاة إليه، قال النووي:
لا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله تعالى عليه و سلم، و يكره إلصاق البطن و الظهر بجدار القبر، قاله الحليمي و غيره، قال: و يكره مسحه باليد و تقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته، هذا هو الصواب، و هو الذي قاله العلماء و أطبقوا عليه، و من خطر بباله أن المسح باليد و نحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته و غفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع و أقوال العلماء، انتهى.
و في الإحياء: مسّ المشاهد و تقبيلها عادة النصارى و اليهود، و قال الأقشهري: قال الزعفراني في كتابه: وضع اليد على القبر و مسّه و تقبيله من البدع التي تنكر شرعا.