وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٠٦ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
و يستحب أن ينوي مع ذلك التقرب بالمسافرة إلى مسجده صلى الله تعالى عليه و سلم، و شد الرحل إليه، و الصلاة فيه، كما قاله أصحابنا منهم ابن الصلاح و النووي، قال ابن الصلاح: و لا يلزم من هذا خلل في زيارته على ما لا يخفى.
و نقل شيخ الحنفية الكمال بن الهمام من مشايخهم أنه ينوي مع زيارة القبر زيارة المسجد، ثم قال: إن الأولى عنده تجريد النية لزيارة قبره (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم إن حصل له إذا قدم زيارة المسجد أو يستفتح فضل الله في مرة أخرى ينويهما فيها؛ لأن ذلك زيادة تعظيمه و إجلاله صلى الله تعالى عليه و سلم، و ليوافق ظاهر قوله صلى الله تعالى عليه و سلم «لا تحمله حاجة إلا زيارتي» انتهى.
و فيه نظر؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) حث أيضا على قصد مسجده، ففي امتثاله تعظيمه أيضا.
و قوله «لا تحمله حاجة» أي لم يحث الشرع عليها، و قد لا يسمح له الزمان بزيارة المسجد، فليغتنم قصد ذلك مع الزيارة، بل ينوي أيضا الاعتكاف فيه و لو ساعة، و أن يعلّم فيه خيرا أو يتعلمه، و أن يذكر الله فيه و يذكر به.
و يستحب إكثار الصلاة و التسليم على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و ختم القرآن إن تيسر، و الصدقة على جيرانه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و غير ذلك مما يستحب للزائر فعله؛ فينوي به التقرب أولا ليثاب على القصد، فنية المؤمن خير من عمله، و ينوي اجتناب المعاصي و المكروهات حياء من الله و رسوله صلى الله تعالى عليه و سلم.
و منها: أن يكون دائم الأشواق إلى زيارة الحبيب الشفيع كل عام بالوصول إلى ذلك الجناب الرفيع؛ فالشوق إلى لقائه و طلب الوصول إلى فنائه من أظهر علامات الإيمان.
و أكثر وسائل الفوز يوم الفزع الأكبر بالأمن و الأمان، و ليزدد شوقا و صبابة و توقا، و كلما ازداد دنوا ازداد غراما و حنوا.
و منها: أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله، و توكلت على الله، و لا حول و لا قوة إلا بالله، اللهم إليك خرجت و أنت أخرجتني، اللهم سلمني و سلم مني، و ردّني سالما في ديني كما أخرجتني، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضلّ، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ، عزّ جارك و جل ثناؤك و تبارك اسمك و لا إله غيرك، و كذا يقول الدعاء المستحب لقاصد المسجد.
و منها: الإكثار في المسير من الصلاة و التسليم على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، بل يستغرق أوقات فراغه في ذلك و غيره من القربات.
و منها: أن يتتبع ما في طريقه من المساجد و الآثار المنسوبة إلى النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، فيحييها بالزيارة، و يتبرك بالصلاة فيها، و قد استقصيناها فيما سبق.