وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٠٧ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
و منها: إذا دنا من حرم المدينة و شاهد أعلامها و رباها و آكامها فليستحضر وظائف الخضوع و الخشوع مستبشرا بالهنا و بلوغ المنى، و إن كان على دابة حرّكها أو بعير أوضعه تباشرا بالمدينة، و لله در القائل:
قرب الديار يزيد شوق الواله * * * لا سيما إن لاح نور جماله
أو بشّر الحادي بأن لاح النّقا * * * و بدت على بعد رءوس جباله
فهناك عيل الصّبر من ذي صبوة * * * و بدا الذي يخفيه من أحواله
و ليجتهد حينئذ في مزيد الصلاة و السلام، و ترديد ذلك كلما دنا من الربا و الأعلام.
و لا بأس بالترجّل و المشي عند رؤية ذلك المحلّ الشريف و القرب منه، كما يفعله بعضهم؛ لأن وفد عبد القيس لما رأوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نزلوا عن الرواحل، و لم ينكر عليهم، و تعظيمه بعد الوفاة كتعظيمه في الحياة.
و قال أبو سليمان داود المالكي في الانتصار: إن ذلك يتأكد فعله لمن أمكنه من الرجال، و إنه يستحب تواضعا لله تعالى و إجلالا لنبيه صلى الله تعالى عليه و سلم.
و حكى عياض في الشفاء أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرا و قرب من بيوتها ترجّل باكيا منشدا:
و لمّا رأينا رسم من لم يدع لنا * * * فؤادا لعرفان الرسوم و لا لبّا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة * * * لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
و منها: إذا بلغ حرم المدينة الشريفة فليقل بعد الصلاة و التسليم: اللهم هذا حرم رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم الذي حرمته على لسانه، و دعاك أن تجعل فيه من الخير و البركة مثلي ما هو في حرم البيت الحرام، فحرمني على النار، و آمنّي من عذابك يوم تبعث عبادك، و ارزقني من بركاته ما رزقته أولياءك و أهل طاعتك، و وفقني لحسن الأدب و فعل الخيرات و ترك المنكرات. ثم تشتغل بالصلاة و التسليم. و إن كان طريقه على ذي الحليفة فلا يجاوز المعرس حتى ينيخ به، و هو مستحب، كما قاله أبو بكر الخفاف في كتاب الأقسام و الخصال و النووي و غيرهما.
و قال صاحب الطراز من المالكية: من آداب الزائر الغسل، و لباس أنظف الثياب.
و قال أبو عبد الله السامري الحنبلي في باب الزيارة من المستوعب: و إذا قدم مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم استحبّ له أن يغتسل لدخولها.
و قال في الإحياء: و ليغتسل قبل الدخول من بئر الحرة، و ليتطيب، و ليلبس أحسن ثيابه.