وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٨ - الفصل الثاني في بقية أدلة الزيارة، و إن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا
قال السبكي: و يشكل عليه حديث «من زار قبري» إلا أن يكون لم يبلغ مالكا، أو لعله يقول: المحذور في قول غيره صلى الله تعالى عليه و سلم، مع أن ابن رشد نقل عن مالك أنه قال: و أكره ما يقول الناس زرت النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، و أعظم ذلك أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه و سلم يزار.
قال ابن رشد: ما كره مالك هذا إلا من وجه أن كلمة أعلى من كلمة، فلما كانت الزيارة تستعمل في الموتى و قد وقع من الكراهة ما وقع كره أن يذكر مثل ذلك في النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، و قيل: كرهه لأن المضي إلى قبره ليس ليصله بذلك و لا لينفعه، و إنما هو رغبة في الثواب، انتهى ملخصا.
و الأخير هو المختار في تأويل كلام مالك كما قاله السبكي، قال: و المختار عندنا أنه لا يكره إطلاق هذا اللفظ.
و يستدل أيضا بقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية، على مشروعية السفر للزيارة و شدّ الرحال إليها، على ما سبق تقريره بشموله المجيء من قرب و من بعد، و بعموم قوله «من زار قبري» و قوله في الحديث الذي صححه ابن السكن «من جاءني زائرا» و إذا ثبت أن الزيارة قربة فالسفر إليها كذلك، و قد ثبت خروج النبي صلى الله تعالى عليه و سلم من المدينة لزيارة قبور الشهداء، فإذا جاز الخروج للقريب جاز للبعيد، و حينئذ فقبره صلى الله تعالى عليه و سلم أولى، و قد انعقد الإجماع على ذلك؛ لإطباق السلف و الخلف عليه. و أما حديث «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فمعناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة، إذ شدّ الرحال إلى عرفة لقضاء النسك واجب بالإجماع، و كذلك سفر الجهاد و الهجرة من دار الكفر بشرطه، و غير ذلك، و أجمعوا على جواز شد الرحال للتجارة و مصالح الدنيا.
و قد روى ابن شبة بسند حسن أن أبا سعيد يعني الخدري (رضي الله تعالى عنه)- ذكر عنده الصلاة في الطور، فقال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا ينبغي للمطيّ أن تشدّ رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام و مسجدي هذا و المسجد الأقصى» فهذا الحديث صريح فيما ذكرناه، على أن في شدّ الرحال لما سوى هذه المساجد الثلاثة مذاهب: نقل إمام الحرمين عن شيخه أنه أفتى بالمنع، قال: و ربما كان يقول: يكره، و ربما كان يقول: يحرم، و قال الشيخ أبو علي: لا يكره و لا يحرم، و إنما أبان النبي صلى الله تعالى عليه و سلم أن القربة المقصودة في قصد المساجد الثلاثة، و ما عداها ليس قربة.