المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩٩ - ٣٢٧- عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم، أبو عبد اللَّه
دخل ابن عباس على عمرو بن العاص يعوده، فقال: كيف تجدك يا أبا عبد اللَّه؟
قال: أجدني قد أفسدت ديني بدنياي، أصلحت من دنياي قليلا/ و أفسدت من آخرتي ٨١/ ب كثيرا، فوددت أن الّذي أفسدت هو الّذي أصلحت، أن الّذي أصلحت هو الّذي أفسدت، و لو كان ينجيني ترك ما في يدي لتركته، و لو كنت أدرك ما أطلب طلبت، فقد صرت كالمنجنيق بين السماء و الأرض، لا يرقى بيد، و لا يرقى برجل، فهو متحير بين الحياة و الموت، و يأمل أن يكون في الموت راحته، و يخاف مما قدمت يده، فعظني يا ابن أخي، فقال: يا أبا عبد اللَّه، إن شئت أن تبكي بكيت، فلست تدري متى يقع الأمر و أنت تأمرنا بالرحيل و أنت مقيم، و لو دعوت دعوة لا تلقي صولها إلى يوم القيامة. قال:
فغضب عمرو و قال: تؤنسني من نفسي و تؤنسني من رحمة ربي، اللَّهمّ خذ مني حتى ترضى، فقال ابن عباس: هيهات يا عبد اللَّه سلفت جديدا و تعطي خلقا، فقال عمرو:
ما لي و لك يا ابن عباس، ما سرحت كلمة إلى ربي إلا أخذت بغيها، ثم تمثل عمرو:
كم عائد رجلا و ليس يعوده * * * إلا لينظر هل يراه يفرق [١]
أخبرنا أبو الحسن الأنصاري، قال: أخبرنا علي بن عبد اللَّه النيسابورىّ، قال:
أخبرنا عبد الغافر بن محمد، قال: أخبرنا ابن عمرويه، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد شعبان، قال: أخبرنا مسلم بن الحجاج [٢]، قال: حدّثنا محمد بن المثنى، قال: حدّثنا الضحاك- يعني أبا عاصم- قال: حدّثنا حيوة بن شريح، قال: حدّثنا يزيد بن أبي حبيب، قال: أخبرنا ابن شماسة المهريّ، قال [٣]:
حضرنا عمرو بن العاص و هو في سياقة الموت، فبكى طويلا و حول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشرك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بكذا، أما بشرك بكذا؟
قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما تعدّ شهادة أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، إني قد كنت على أطباق ثلاث: لقد رأيتني و ما أحد أشد بغضا لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم مني و لا أحب إليّ من أن يكون استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل
[١] في ت: «يفوت».
[٢] في ت: «بن الجراح».
[٣] الخبر في طبقات ابن سعد ٤/ ٢/ ٦.