المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٤٥ - ٣٠٢- عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن خزيمة
عليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «سَمِيعٌ عَلِيمٌ»، فيكتب «عَلِيمٌ حَكِيمٌ». فيقرأه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و يقره، فافتتن عبد اللَّه بن سعد، و قال: ما يدري محمد ما يقول، إني لأكتب له ما شئت، هذا الّذي يوحى إليّ كما يوحى إلى محمد. و خرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا، فأهدر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم دمه يوم الفتح، فجاء إلى عثمان بن عفان- و كان أخاه من الرضاعة- فقال: يا أخي إني و اللَّه اخترتك على غيرك فاحبسني هاهنا، و اذهب إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فكلمه فيّ، فإن محمدا إن رآني ضرب الّذي فيه عيناي، فإن جرمي أعظم الجرم، و قد جئت تائبا، فقال عثمان: بل اذهب معي، فقال: و اللَّه/ لئن ٥٨/ ب رآني ليضربن عنقي فقد أهدر دمي و أصحابه يطلبونني في كل موضع، فقال عثمان:
انطلق معي فلا يقتلنك إن شاء اللَّه، فلم يرع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم إلا بعثمان آخذا بيد عبد اللَّه ابن أبي سرح واقفين بين يديه، فأقبل عثمان على النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمه كانت تحملني و تمشيه، و ترضعني و تفطمه، و كانت تلطفني [١] و تتركه فهبه لي، فاعرض عنه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و جعل عثمان كلما أعرض عنه النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام، و إنما أعرض النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمنه.
فلما رأى ألا يقوم أحد و عثمان قد أكب على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يقبل رأسه و هو يقول: يا رسول اللَّه تبايعه فداك أبي و أمي، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «نعم»، ثم التفت إلى أصحابه فقال: «ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله»- أو قال: الفاسق- فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إليّ يا رسول اللَّه، فو الّذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه- و يقال: قاله أبو اليسر، و يقال: عمر بن الخطاب، و لعلهم قالوا جميعا- فقال النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم: «إني لا أقتل بالإشارة».
و قال قائل: إن النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم قال يومئذ: «إن النبي لا تكون له خائنة الأعين» فبايعه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم على الإسلام، و جعل عبد اللَّه بعد ذلك كلما رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يفر منه، فقال عثمان: يا رسول اللَّه، نراه يفر منك كلما رآك، فتبسم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و قال: «أو لم أبايعه و أؤمنه» قال: بلى و لكنه يتذكر عظم جرمه، فقال النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم: «الإسلام يجبّ ما قبله» فرجع عثمان إلى عبد اللَّه بن سعد فأخبره فكان/ بعد ذلك يأتي فيسلم على ٥٩/ أ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم مع الناس.
[١] في الأصل: «تطلقني».