المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٩٩ - فصل في إظهار معاوية الخلاف لعليّ
ليغلبا عليها، و كان قد امتنع منها بالدهاء و المكايدة، فلم يقدرا عليه [١] حتى كاد معاوية قيس بن سعد من قبل عليّ، فكان معاوية يقول: ما ابتدعت مكايدة قط كانت أعجب عندي من مكايدة كدت بها قيسا من قبل علي، فكتبت إلى أهل الشام: لا تسبوا قيسا فإنه لنا شيعة، تأتينا كتبه و نصيحته سرا. ألا ترونه يحسن إلى كل راكب منكم، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم من أهل خربتا، يجري عليهم أعطياتهم و أرزاقهم.
فبلغ ذلك عليا فاتهم قيسا و كتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا، و أهل خربتا يومئذ عشرة آلاف، فأبى و كتب إلى عليّ: إنهم وجوه أهل مصر، و قد رضوا مني أن أؤمن سربهم، و أجري عليهم/ أعطياتهم، و قد علمت أن هواهم مع معاوية، فأبى عليّ رضي ٣٨/ أ اللَّه عنه إلا قتالهم، و أبى قيس أن يقاتلهم، و كتب إلى عليّ: إن كنت تتهمني فاعزلني عن عملك، و ابعث عليه غيري، فبعث الأشتر إلى مصر أميرا عليها حتى إذا صار بالقلزم سقي شربة عسل فيها سم كان فيها حتفه.
فلما بلغ عليّا وفاة الأشتر بالقلزم بعث محمد بن أبي بكر أميرا على مصر. هذا قول الزهري.
و قال هشام بن محمد: إنما بعث الأشتر بعد هلاك محمد بن أبي بكر، و لما جاء عليّا مقتل محمد بن أبي بكر علم أن قيسا كان ينصحه فأطاعه في كل شيء.
قال علماء السير: و كان عليّ رضي اللَّه عنه قد كتب عهد محمد بن أبي بكر لغرة رمضان، فلم يلبث محمد شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك الذين كان قيس و ادعهم، و قال: يا هؤلاء، إما أن تدخلوا في طاعتنا، و إما أن تخرجوا من بلادنا، فبعثوا إليه: دعنا حتى ننظر، فأبى و بعث إليهم رجلا فقتلوه، ثم بعث آخر فقتلوه.
و في هذه السنة قدم ماهويه مرزبان مرو [٢] على عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه بعد الجمل مقرا بالصلح، فكتب له عليّ كتابا إلى دهاقين مرو و الأساورة بأنه قد رضي عنه. ثم إنهم كفروا بعد ذلك.
[١] في الأصول: «فلم يقدرا عليها».
[٢] تاريخ الطبري ٤/ ٥٥٧.