المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٧٨ - استئذان طلحة و الزبير عليّا
بذلك رأيه في قتال أهل القبلة، أ يجسر عليه أو ينكل عنه، و قد بلغهم أن الحسن بن علي دخل عليه و دعاه إلى القعود و ترك الناس، فدسوا إليه زياد بن حنظلة التميمي- و كان منقطعا إلى عليّ- فدخل عليه فجلس إليه ساعة ثم قال له علي: يا زياد، تيسّر، فقال:
لأي شيء؟ فقال: لغزو الشام، فقال زياد: الأناة و الرّفق أمثل، و قال هذا البيت:
و من لا يصانع في أمور كثيرة * * * يضرّس بأنياب و يوطأ بمنسم [١]
فتمثل عليّ و كأنه لا يريده يقول:
متى تجمع القلب الذّكيّ و صارما * * * و أنفا حميّا تجتنبك المظالم [٢]
فخرج زياد على الناس، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: السيف يا قوم، فعرفوا ما هو فاعل، و دعا عليّ محمد بن الحنفية، فدفع إليه اللواء، و ولى عبد اللَّه بن عباس ميمنة، ٢٩/ أ و عمرو بن أبي سلمة- أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد- ولاه ميسرته،/ و دعا أبا ليلى بن عمرو بن الجراح، ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح، فجعله على مقدمته، و استخلف على المدينة قثم بن عباس، و كتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى الشام، و إلى عثمان بن حنيف و إلى أبي موسى مثل ذلك، و أصرّ على التهيؤ و التجهز، و خطب أهل المدينة فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الفرقة [٣]، و قال: انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون تفريق جماعتكم، لعل اللَّه يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق أو تقضوا الّذي عليكم.
فبينا هم كذلك إذ جاء الخبر عن أهل مكة بنحو آخر، فقام فيهم فقال: ألا و إن طلحة و الزبير و أم المؤمنين قد تمالئوا على سخط إمارتي، و سأصبر ما لم أخف على جماعتكم.
ثم أتاه أنهم يريدون البصرة لمشاهدة الناس و الإصلاح، فتعبّى للخروج نحوهم، فاشتد على أهل المدينة الأمر، فتثاقلوا، فبعث إلى عبد اللَّه بن عمر كميلا النّخعيّ، فجاء به فقال: انهض معي، فقال: أنا مع أهل المدينة، إنما أنا رجل منهم، فإن يخرجوا
[١] البيت لزهير، انظر ديوانه ٢٩.
[٢] البيت لابن براقة الهمدانيّ، انظر الكامل ١/ ٢٧.
[٣] في الأصل: «قتال أهل القبلة».