المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٧ - ٣٩٩- قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة، أبو عبيد اللَّه
سأل و قال: و اللَّه ما أعرفك، فمن أنت؟ قال: أنا قيس بن سعد [١]/ بن عبادة. قال ١٣٠/ أ الجهنيّ: ما أعرفني بنسبك، و ابتاع منه خمس جزائر، كل جزور بوسق من تمر. ثم قال: فأشهد لي فأشهد له نفرا من الأنصار و المهاجرين، فكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب. فقال عمر: لا أشهد هذا بدين و لا مال له، إنما المال لأبيه. فقال الجهنيّ [٢]: ما كان سعد ليمني بابنه في شقة من تمر و أرى وجها حسنا، و فعلا شريفا. فكان بين عمر و قيس كلام حتى أغلظ لقيس، و أخذ الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاث كل يوم جزورا، فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره فقال: أ تريد أن تخفر ذمتك و لا مال لك.
قال محمد: فحدثني محمد بن يحيى، عن سهل، عن أبيه، عن رافع بن خديج قال: أقبل أبو عبيدة و معه عمر، فقال: عزمت عليك أن لا تتجر، أ تريد أن تخفر ذمتك فقال قيس: يا أبا عبيدة، أ ترى أبا ثابت يقضي ديون الناس، و يحمل الكل، و يطعم في المجاعة، لا يقضي عني شقة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل اللَّه. فكان أبو عبيدة يلين له، و جعل يقول له: اعزم فعزم عليه، و أبى أن ينحر و بقيت جزوران، فقدم بها قيس المدينة ظهرا يتعاقبون عليها، و بلغ سعدا ما أصاب القوم من المجاعة فقال: إن يكن قيس كما أعرف فينحر للقوم، فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في القوم؟ قال:
نحرت. قال: أصبت، ثم ما ذا؟ قال: نحرت. قال: أصبت، ثم ما ذا؟ قال: نحرت.
قال: أصبت، ثم ما ذا؟ قال: نهيت. قال: من نهاك؟ قال: أبو عبيدة أميري. قال:
و لم؟ قال: زعم أنه لا مال لي، و إنما المال لك [٣]، فقلت: أبي يقضي عن الأباعد، و يحمل الكل، و يطعم في المجاعة، فلا يصنع هذا بي. قال: فلك أربع حوائط أدناها حائط تحمل خمسين وسقا.
قال: و قدم البدوي مع قيس فأوفاه وسقه و حمله و كساه،
فبلغ ذلك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم من فعل قيس، فقال: «إنه في بيت جود».
قال علماء السير: مرض قيس بن سعد و استبطأ إخوانه في العيادة، فقيل له: إنهم
[١] «بن قيس»: ساقط من ت.
[٢] في الأصل: «فقال سعد».
[٣] في الأصل: «الملك لك».