المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩٤ - قصة ابن أم الحكم مع الأعرابي
فما سمعت كما بلغت من عجب * * * و لا فعالك حقا فعل فتيان [١]
فلما ورد كتاب معاوية على ابن أم الحكم تنفس الصعداء و قال: وددت أن ١١٩/ ب أمير/ المؤمنين خلى بيني و بينها سنة ثم عرضني على السيف، و جعل يؤامر نفسه في طلاقها فلا يقدر، فلما أزعجه الوفد طلقها، ثم قال: يا سعاد، اخرجي، فخرجت شكلة غنجة، ذات هيئة و جمال، فلما رآها الوفد قالوا: ما تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين لا لأعرابي، و كتب جواب كتابه يقول:
لا تحنثنّ أمير المؤمنين فقد * * * أوفى بعهدك في رفق و إحسان
و ما ركبت حراما حيث أعجبني * * * فكيف سميت باسم الخائن الزان
و سوف يأتيك شمس لا خفاء بها * * * أبهى البرية من إنس و من جان
حوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت * * * أقول ذلك في سر و إعلان
فلما ورد الكتاب على معاوية، قال: إن كانت أعطيت حسن النعمة على هذه الصفة فهي أكمل البرية، فاستنطقها فإذا هي أحسن الناس كلاما و أكملهم شكلا و دلا، فقال: يا أعرابي فهل من سلو عنها بأفضل الرغبة، قال: نعم إذا فرقت بين رأسي و جسدي، ثم أنشأ يقول:
لا تجعلني و الأمثال تضرب بي * * * كالمستغيث من الرمضاء بالنار
أردد سعاد على حيران مكتئب * * * يمسي و يصبح في هم و تذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق * * * و أسعر القلب منه أي إسعار
و اللَّه و اللَّه لا أنسى محبتها * * * حتى أغيّب في رمس و أحجار
كيف السلو و قد هام الفؤاد بها * * * و أصبح القلب عنها غير صبار
قال: فغضب معاوية غضبا شديدا، ثم قال لها: اختاري إن شئت أنا، و إن شئت ابن أم الحكم، و إن شئت الأعرابي. فأنشأت سعاد و ارتجزت تقول:
هذا و إن أصبح في الخمار * * * و كان في نقص من اليسار
أكثر عندي من أبي و جاري * * * و صاحب الدرهم و الدينار
أخشى إذا غدرت حر النار
[١] في الأصل: «فعل إنسان».