المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩٣ - قصة ابن أم الحكم مع الأعرابي
ففرّج كلأك اللَّه عني فإنني * * * لقيت الّذي لم يلقه أحد قبلي
و خذ لي هداك اللَّه حقي من الّذي * * * رماني بسهم كان أهونه قتلي
و كنت أرجّي عدله إن أتيته * * * فأكثر تردادي مع الحبس و الكبل
/ فطلّقتها من جهد ما قد أصابني * * * فهذا أمير المؤمنين من العذل
١١٩/ أ فقال معاوية: ادن بارك اللَّه عليك، ما خطبك؟ فقال: أطال اللَّه بقاء أمير المؤمنين، إنني رجل من بني عذرة، تزوجت ابنة عم لي، و كانت لي صرمة من إبل و شويهات، فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتني نائبة الزمان و حادثات الدهر رغب عني أبوها، و كانت جارية فيها الحياء و الكرم، فكرهت محالفة أبيها، فأتيت عاملك ابن أم الحكم فذكرت ذلك له، و بلغه جمالها، فأعطى أباها عشرة آلاف درهم و تزوجها و أخذني فحبسني و ضيق عليّ، فلما أصابني مس الحديد و ألم العذاب طلقتها، و قد أتيتك يا أمير المؤمنين و أنت غياث المحروب و سند المسلوب، فهل من فرج، ثم بكى و قال في بكائه:
في القلب مني نار و النار فيها شرار * * * و الجسم مني نحيل و اللون فيه اصفرار
و العين تبكي بشجو و دمعها مدرار * * * و الحب داء عسير فيه الطبيب يحار
حملت منه عظيما فما عليه اصطبار * * * فليس ليلي بليل و لا نهاري نهار
فرق له معاوية و كتب له إلى ابن أم الحكم كتابا غليظا، و كتب في آخره يقول:
ركبت أمرا عظيما لست أعرفه * * * أستغفر اللَّه من جور امرئ زان
قد كنت تشبه صوفيا له كتب * * * من الفرائض أو آثار فرقان [١]
حتى أتاني الفتى العذري منتحبا * * * يشكو إليّ بحق غير بهتان
أعطى الإله عهودا لا أجيش بها * * * أو لا فبرئت من دين و إيمان
إن أنت راجعتني فيما كتبت به * * * لأجعلنّك لحما عند عقبان [٢]
طلق سعاد و فارقها بمجتمع * * * و اشهد على ذاك نصرا و ابن ظبيان
[١] في الأصل: «تحت الفرائض أو آثار فرحان».
[٢] في الأصل: «بين عقبان».