المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٥٨ - ٣٦٧- جبلة بن الأيهم
أياما، و أراد عمر الحج، فخرج معه، و كان الناس يتعجبون من هيئته، فبينا هو يطوف بالبيت وطئ رجل من بني فزارة إزاره من خلفه فانحل، فرفع يده فهشم أنف الفزاري، فمضى يستعدي عمر عليه، فبعث إليه، فأتى فقال: هشمت أنف الرجل؟ قال: نعم، اعتمد حل إزاري، و لو لا حرمة الكعبة لضربت بالسيف بين عينيه، فقال عمر: أما أنت فقد أقررت، فإما أن ترضي الرجل و إلا أقدته منك، قال: أو خطر هو لي؟ قال: نعم، قال: كيف و أنا ملك و هو سوقة؟ قال عمر: الإسلام جمعكما، قال: و اللَّه لقد ظننت أني أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية، قال عمر: هو ما ترى، فقال: إذن أتنصر، قال:
إن فعلت قتلتك. و اجتمع من حي الفزاري وحي جبلة على باب عمر خلق كثير، فقال:
أنا انظر في هذا الأمر ليلتي هذه. فانصرف إلى منزله، فلما ادلهم الليل تحمل بأصحابه إلى الشام في خمسمائة حتى دخل القسطنطينية في زمن هرقل] [١] فتنصر و قومه فأقطعه هرقل ما شاء، و أجرى عليه ما شاء و جعله من سماره.
فمكث دهرا ثم كتب عمر إلى هرقل كتابا و بعثه مع رجل من أصحابه، فأجاب هرقل بما أراد عمر، ثم قال للرجل: هل لقيت ابن عمك جبلة؟ قال: لا، قال: فالقه قال: فأتيته، فما إخالني رأيت ثياب هرقل من السرور و البهجة ما رأيت من ثياب جبلة، فاستأذنت، فأذن و قام و رحب بي عانقني و عاتبني في ترك النزول عليه، فإذا هو في بهو عظيم من التماثيل و الهول مالا أحسن أصفه و هو على سرير من ذهب، له أربع قوائم رأسه من ذهب، و إذا هو رجل أصهب ذو سبال، و إذا هو قد أمر بالذهب الأحمر فسحل فذر في لحيته، و استقبل عين الشمس ثم أجلسني على كرسي من ذهب، فلما تبينته انحدرت عنه و قلت إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم نهى عن هذا، و سألني عن الناس و ألحف في السؤال عن عمر، ثم عرفت الحزن فيه، فقلت: ما يمنعك من الرجوع إلى قومك و الإسلام؟ قال:
بعد الّذي كان؟ قلت: نعم، قد كان الأشعث بن قيس ارتد و ضربهم بالسيوف و منعهم الزكاة ثم دخل في الإسلام، و زوّجه أبو بكر الصديق أخته، فقال: دع هذا عنك، ثم أومأ إلى وصيف قائم على رأسه فولى، فما شعرنا إلا بالصناديق يحملها الرجال، فوضعت أمامنا مائدة من ذهب فاستعفيت منها، فأتى بمائدة خلنج، فوضعت أمامي
[١] إلى هنا انتهى السقط من الأصل الّذي سبق التنبيه عليه.