المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٤٢ - و فيها مقتل حجر بن عدي
إنه قد اقترب أجلي، و لا أحب أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم، فيسعدوا بذلك و أشقى، و يعز في الدنيا معاوية و يذل يوم القيامة المغيرة، و لكني قابل من محسنهم، و عاف عن مسيئهم، و واعظ شقيهم حتى يفرق بيني و بينهم الموت، و سيذكروني، و لو قد جربوا العمال بعدي [١].
فلما هلك المغيرة و ولي زياد بن أبي سفيان قام فذكر عثمان و أصحابه فقرظهم و ذكر قتلتهم و لعنهم، فقام حجر ففعل مثل الّذي كان يفعل بالمغيرة، فقال: ويل أمك يا حجر، «سقط بك العشاء على سرحان» [٢].
و في رواية أخرى: أن زيادا خطب فأطال الخطبة و أخر الصلاة، فقال له حجر بن عدي: الصلاة فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة، فلما خشي الفوت ضرب بيده إلى كف من الحصا، و ثار إلى الصلاة، و ثار الناس معه، فنزل زياد فصلى بالناس، ثم كتب إلى معاوية في أمره، فاستشهد عليه جماعة من أهل مصره، منهم أبو بردة بن أبي موسى أنه خلع الطاعة و دعا إلى الفتنة.
فكتب إليه معاوية أن شدّه في الحديد ثم احمله إليّ فبعثه إليه مع جماعة ممن يرى رأيه، فاستوهب بعضهم و بقي بعضهم، فقيل لهم تبرءوا من علي حتى يطلقكم، فلم يفعلوا.
فلما دخل حجر على معاوية قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له معاوية: لا و اللَّه لا أقيلك و لا أستقيلك، أخرجوه فاضربوا عنقه، فأخرج، فقال: دعوني ٩٨/ أ أصلي ركعتين، فصلاهما، ثم قال لمن/ حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديدا، و لا تغسلوا عني دما، فإنّي ألاقي معاوية غدا على الجادة. ثم قدم فضربت عنقه، و قتل معه جماعة من أصحابه ممن يرى رأيه.
و لما لقيت عائشة أم المؤمنين معاوية قالت [٣]: يا معاوية، أين كان حلمك عن
[١] الخبر في تاريخ الطبري ٥/ ٢٥٣- ٢٥٥، و الأغاني ١٦/ ٤.
[٢] مثل يضرب في طلب الحاجة يؤدي بصاحبها إلى التلف، و أصله أن رجلا خرج يلتمس العشاء، فوقع على ذئب فأكله».
[٣] تاريخ الطبري ٥/ ٢٥٧.