المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠٤ - ذكر سبب قتله
ثم قال [المستورد]: انطلق بهذا الكتاب إلى سماك، فادفعه إليه و احفظ ما يقول لك، و القني.
فقلت له: أصلحك اللَّه، لو أمرتني أن أستعرض دجلة فألقي نفسي فيها ما عصيتك، و لكن ما آمن أن يتعلق بي سماك فيحبسني عنك، فإذا أنا قد فاتني ما أرجو من الجهاد. فتبسم و قال: يا ابن أخي، إنما أنت رسول و الرسول لا يعرض له و لو خشيت ذلك عليك لم أبعثك. فخرجت حتى عبرت إليهم في معبر، فقالوا: من أنت؟ فقلت:
رسول أمير المؤمنين المستورد، فلما وصلت إلى سماك أريته الكتاب، قال: اذهب إلى صاحبك فقل له: اتّق اللَّه و ارجع عن رأيك هذا، و أدخل في جماعة المسلمين، ثم قال لأصحابه: إنهم خلوا بهذا. فأخذوا يقرءون عليه القرآن، و يتخشعون [١] و يتباكون، فظن أنهم على شيء، ثم قال: انطلق يا بني إلى صاحبك، إنما تندم لو قد اكتنفتكم الخيل، و أشرعت في صدوركم الرماح، هناك تمنى أنك كنت في بيت آبائك [٢].
فانصرفت من عنده إلى صاحبي، فأخبرته، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [٣].
فمكثنا يومين أو ثلاثة، فاستبان لهم مسير معقل بن قيس إلينا، فجمعنا المستورد و قال: أشيروا عليّ، فقال بعضنا: و اللَّه ما خرجنا نريد إلا اللَّه و قد جاءونا فأين نذهب عنهم. و قالت طائفة: بل نعتزل و نتنحى، و ندعو الناس.
فقال: يا معشر المسلمين، إني و اللَّه ما خرجت ألتمس الدنيا و لا البقاء، و ما أحب أنها لي بحذافيرها، و ما أحب إلا التماس الشهادة، و إني قد نظرت فيما استشرتكم به ٨٤/ أ فرأيت ألّا أقيم لهم حتى يقدمون عليّ [٤] و هم جامّون، و لكني رأيت أن أسير/ حتى
[١] في الطبري: «يتخضعون».
[٢] في الطبري: «تمنى لو كنت في بيت أمك».
[٣] سورة: البقرة، الآية: ٦.
[٤] في الطبري: «حتى يقدموا عليّ».