المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٥٠ - فمن الحوادث فيها مقتل محمد بن أبي بكر رضي اللَّه عنهما
و قد ذكرنا أن قوما يقولون: إنما بعث محمدا بعد الأشتر، و اللَّه أعلم.
٦٠/ ب و لما/ انصرف الحكمان [١] بايع أهل الشام معاوية بالخلافة و لم يزدد معاوية إلا قوة، و اختلف الناس بالعراق على عليّ رضي اللَّه عنه، فما كان لمعاوية همّ إلا مصر، و كان يرجو أنه إذا أظهر عليها ظهر على حرب عليّ لعظم خراجها، و كان عمرو بن العاص صالح معاوية حين بايعه على قتال علي رضي اللَّه عنه على أن له مصر طعمة ما بقي. فلما أراد معاوية أخذ مصر استشار أصحابه، فقال عمرو: أرى أن نبعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صارم تأمنه و تثق به فيأتي مصر، فإنه سيأتيه من كان على مثل ذلك فتظاهره على عدوك، فقال معاوية: هل عندك غير هذا؟ قال: ما أعلمه، قال معاوية: بلى، فكاتب من بها، فأما شيعتنا فنأمرهم بالثبات على أمرهم و نمنيهم قدومنا عليهم، و أما عدونا فندعوهم إلى صلحنا و نمنيهم شكرنا و نخوفهم حربنا، فإن صلحوا لنا و إلا كان حربهم من وراء ذلك، فقال عمرو: اعمل بما ترى، فو اللَّه ما أرى أمرك و أمرهم يؤول إلا إلى الحرب.
فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري، و إلى معاوية بن حديج السكونيّ [الكندي] [٢]، أما بعد: فإن اللَّه تعالى قد ابتعثكما لأمر أعظم به أجركما، و رفع به ذكركما، طلبكما بدم الخليفة، فابشرا برضوان اللَّه. فقدم به رسوله إلى مصر و محمد بن أبي بكر أميرها، فكتبا إليه: عجل بخيلك و رجلك يفتح اللَّه عليك. فبعث عمرو بن العاص في ستة آلاف، فخرج فاجتمع إليه العثمانية، و كتب إلى محمد بن أبي بكر:
تنح عني بدمك فإنّي لا أحب أن يصيبك مني ظفر، و كتب إليه معاوية: إني لا أعلم أحدا كان أعظم على عثمان بلاء منك، فلا تظنن أني نائم عنك. فبعث الكتابين إلى علي و كتب إليه: أما بعد، فإن ابن العاص قد نزل أراضي مصر، و اجتمع إليه أهل البلد، و قد رأيت من قبلي بعض الفشل، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال و الأموال.
فكتب إليه عليّ: اصبر لعدوك و إن كانت فئتك أقل الفئتين، فإنّي باعث إليك
[١] تاريخ الطبري ٥/ ٩٧.
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناه من الطبري.