المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٢٨ - و في هذه السنة كان اجتماع الحكمين
عليهم، و إني قد خلعت عليّا و معاوية، فاستقبلوا أمركم و ولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلا، ثم تنحى.
و أقبل عمرو فقام مقامه، فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال: إن هذا قد قال ما سمعتم، و خلع صاحبه، و أنا أخلع صاحبه كما خلعه، و أثبت صاحبي [معاوية] [١]، فإنه ولي عثمان، و الطالب بدمه، و أحق الناس بمقامه، فقال له أبو موسى: مالك، لا وفقك اللَّه، غدرت و فجرت، إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. قال عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا.
و حمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط، و حمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط، و قام الناس فحجزوا بينهم. فالتمس أهل الشام أبا موسى فركب راحلته و لحق بمكة. و كان يقول: اطمأننت إلى عمرو و ظننت أنه لن يؤثر شيئا على نصح الأمة، و لقد حذرنيه ابن عباس.
و انصرف عمرو و أهل الشام إلى معاوية و سلموا عليه بالخلافة و قام معاوية عشية في الناس، فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد، من كان متكلما في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، قال ابن عمر: فأطلعت حويتي فأردت أن أقول:
يتكلم فيه رجال قاتلوك و أباك على الإسلام، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجماعة و يسفك فيها دم و أحمل فيها على غير رأيي، و ذكرت ما وعد اللَّه في الجنان فأمسكت.
قال عمرو بن العاص: بلغني أن عتبة بن أبي سفيان قال لعبد اللَّه بن عباس: ما منع عليّا أن يبعثك مكان أبي موسى، فقال عبد اللَّه: منعه و اللَّه من ذلك حاجز القدر، و قصر المدة، و محنة الابتلاء، أما و اللَّه لو بعثني لاعترضت في مدارج نفس عمرو ناقضا ما أبرم و مبرما لما نقض، أسفّ إذا طار و أطير إذا أسف، و لكن مضى قدر و بقي أسف، و الآخرة خير لأمير المؤمنين.
و قال خريم بن فاتك الأسدي هذه الأبيات:
لو كان للقوم رأي يرشدون به * * * أهل العراق رموكم بابن عباس
٥١/ أ/ للَّه در أبيه أيما رجل * * * ما مثله لفصال الأمر للناس
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناه من الطبري.