زبور العارفين - تركماني قمي، علي قلي خان - الصفحة ٢٠٨
قال : وقلبي عن الاشتغال بالآخرة . وقال الآخر : سبحانك سبحانك! قد عرفت ـ تباركت وتعاليت ـ أنّك تحبّ أولياءك ، فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كلّ شيء دونك . فأوحى اللّه إلى داوود : قل لهم : قد سمعت كلامكم ، وأجبتكم إلى ما أحببتم ، فليفارق كلّ واحدٍ منكم صاحبه ، وليتّخذ لنفسه سرباً ؛ فإنّي كاشف الحجاب بيني وبينكم حتّى تنظروا إلى جلالي ونوري . قال داوود : يا ربّ ، بما نالوا هذا منك ؟ بحسن الظنّ ، والكفّ عن الدنيا وأهلها ، والخلوات في مناجاتهم [ لي ] ، وإنّ هذا منزل لا يناله إلاّ مَن رفض الدنيا وأهلها ولم يشتغل بشيء من ذكرها ، ففزع قلبه لي واختارني على جميع خلقي ، فعند ذلك أعطف عليه ، واُفرغ نفسه ، وأكشف الحجاب في ما بيني وبينه حتّى ينظر إليّ نظر الناظر بعينه إلى الشيء ، واُريه كرامتي في كلّ ساعة اُقرّبه من نور وجهي . إن مرض مرّضته كما تمرِّض الوالدة الشفيقة ولدها ، وإن عطش أرويته ، واُذيقه طعم ذكري ، فإذا فعلتُ ذلك ـ يا داوود ـ عميتْ نفسه عن الدنيا وأهلها ولم أجبها إليه ، لا يفتر من الاشتغال بي ، يستعجلني بالقدوم ، وأنا أكره أن اُميته ؛ لأنّه موضع نظري من بين خلقي . لا يرى غيري ولا أرى غيره ، /٩٨/ فلو رأيتُه ـ يا داوود ـ قد ذابت نفسه ، ونحلت [ جسمه ] ، وتهشّمت أعضاؤه ، وانخلع قلبه . إذا سمع بذكري اُباهي به ملائكتي وأهل سماواتي يزداد خوفاً وعبادة ، وعزّتي وجلالي ـ يا داوود ـ لاُقعدنّه في الفردوس ، ولأشفينّ صدره من النظر إليّ حتّى يرضى وفوق الرضا [١] .
قال الصادق [٢] عليه السلام في صفة المشتاقين : قال الصادق [٣] عليه السلام في صفة المشتاقين : المشتاق لا يشتهي طعاماً ، ولا يلتذّ شرابا ، ولا يستطيب رقاداً ، ولا يأنس حميماً ، ولا يأوي داراً ، ولا يسكن عمراناً ، ولا يلبس ليّناً ، ولا يقرّ قراراً ، ويعبد اللّه ليلاً ونهاراً [ ... ] حتّى يصل إلى ما يشتاق إليه ، ويناجيه بلسان شوقه معبّرا عمّا في سريرته ، كما أخبر اللّه عن موسى في ميعاد ربّه بقوله : « وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى » [٤] وفسّر النبي صلى الله عليه و آلهعن حاله
[١] المحجّة البيضاء ، ج ٨ ، ص٥٩ ـ ٦١ .[٢] ب : ـ قال الصادق .[٣] سورة طه ، الآية ٨٤ .