حكمت نامه جوان - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٥٤ - حديث
و لَقَد أعتَقَ ألفَ مَملوكٍ مِن صُلبِ مالِهِ، كُلُّ ذلِكَ تَحَفّى[١] فيهِ يَداهُ، و تَعَرَّقَ جَبينُهُ، التِماسَ وَجهِ اللّهِ عز و جل وَ الخَلاصِ مِنَ النّارِ، و ما كان قوتُهُ إلَّا الخَلَّ وَ الزَّيتَ، و حَلواهُ التَّمرُ إذا وَجَدَهُ، و مَلبوسُهُ الكَرابيسُ، فَإِذا فَضَلَ عَن ثِيابِهِ شَيءٌ دَعا بِالجَلَمِ فَجَزَّهُ.[٢]
٥٤٥. مروج الذهب: دَخَلَ ضِرارُ بنُ ضَمرَةَ؛ و كانَ مِن خَواصِّ عَلِيٍّ عَلى مُعاوِيَةَ وافِدا، فَقالَ لَهُ: صِف لي عَلِيّا.
قالَ: أعفِني يا أميرَ المُؤمِنينَ.
قالَ مُعاوِيَةُ: لا بُدَّ مِن ذلِكَ.
فَقالَ: أمّا إذا كانَ لا بُدَّ مِن ذلِكَ فَإِنَّهُ كانَ وَ اللّهِ بَعيدَ المَدى، شَديدَ القُوى، يَقولُ فَصلًا، و يَحكُمُ عَدلًا، يَتَفَجَّرُ العِلمُ مِن جَوانِبِهِ، و تَنطِقُ الحِكمَةُ مِن نَواحيهِ، يُعجِبُهُ مِنَ الطَّعامِ ما خَشُنَ، و مِنَ اللِّباسِ ما قَصُرَ.
و كانَ و اللّهِ يُجيبُنا إذا دَعَوناهُ، و يُعطينا إذا سَأَلناهُ، و كُنّا وَ اللّهِ عَلى تَقريبهِ لَنا و قُربِهِ مِنّا لا نُكَلِّمُهُ هَيبَةً لَهُ، و لا نَبتَدِئُهُ لِعِظَمِهِ في نُفوسِنا، يَبسِمُ عَن ثَغرٍ كَاللُّؤلُؤِ المَنظومِ، يُعَظِّمُ أهلَ الدّينِ، و يَرحَمُ المَساكينَ، وَ يُطعِمُ فِي المَسغَبَةِ يَتيما ذا مَقرَبَةٍ أو مِسكينا ذا مَترَبَةٍ، يَكسُو العُريانَ، و يَنصُرُ اللَّهفانَ، وَ يستَوحِشُ مِنَ الدُّنيا و زَهرَتِها، و يَأنَسُ بِاللَّيلِ و ظُلمَتِهِ.
و كَأَنّي بِهِ و قَد أرخَى اللَّيلُ سُدولَهُ، و غارَت نُجومُهُ، و هُوَ في مِحرابِهِ قابِضٌ عَلى لِحيَتِهِ، يَتَمَلمَلُ تَمَلمُلَ السَّليمِ[٣]
، و يَبكي بَكاءَ الحَزينِ، و يَقولُ: «يا دُنيا غُرّي غَيري، إلَيَّ تَعَرَّضتِ أم إلَيَّ تَشَوَّفتِ؟ هَيهاتَ هَيهاتَ! لا حانَ حينُكِ، قَد أبَنتُكِ ثَلاثا لا رَجعَةَ لي فيكِ، عُمُرُكِ قَصيرٌ، و عَيشُكِ حَقيرٌ،
[١] تحفّى: بالغ، أو من الحَفا: و هو رقّة القدم( لسان العرب: ج ١٤ ص ١٨٦ ١٨٧).
[٢] الكافي: ج ٨ ص ١٦٣ ح ١٧٣.
[٣] السَّلِيم: اللديغ. يقال: سَلَمَتهُ الحيّة؛ أي لدَغَته( لسان العرب: ج ١٢ ص ٢٩٢).