دانشنامه عقايد اسلامي - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١١٢
١١٣٥.الإمام الصادق عليه السلام ـ لِلمُفَضَّلِ بنِ عُمَرَ ـ: ولَو كانَ المَولودُ يولَدُ فَهِماً عاقِلاً لأَنكَرَ العالَمَ عِندَ وِلادَتِهِ ، ولَبَقِيَ حَيرانَ تائِهَ العَقلِ إذا رَأى ما لَم يَعرِف ، ووَرَدَ عَلَيهِ ما لَم يَرَ مِثلَهُ مِنِ اختِلافِ صُوَرِ العالَمِ مِنَ البَهائِمِ وَالطَّيرِ إلى غَيرِ ذلِكَ ، مِمّا يُشاهِدُهُ ساعَةً بَعدَ ساعَةٍ ويَوماً بَعدَ يَومٍ ، وَ اعتَبِر ذلِكَ بِأَنَّ مَن سُبِيَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ، وهُوَ عاقِلٌ يَكونُ كَالوالِهِ الحَيرانِ ، فَلا يُسرِعُ في تَعَلُّمِ الكَلامِ وقَبولِ الأَدَبِ ، كَما يُسرِعُ الَّذي يُسبى صَغيراً غَيرَ عاقِلٍ ، ثُمَّ لَو وُلِدَ عاقِلاً كانَ يَجِدُ غَضاضَةً إذا رَأى نَفسَهُ مَحمولاً مُرضَعاً مُعَصَّباً بِالخِرَقِ مُسَجّىً فِي المَهدِ؛ لِأَنَّهُ لا يَستَغني عَن هذا كُلِّهِ لِرِقَّةِ بَدَنِهِ ورُطوبَتِهِ حينَ يولَدُ ، ثُمَّ كانَ لا يوجَدُ لَهُ مِنَ الحَلاوَةِ وَالوَقعِ مِنَ القُلوبِ ما يوجَدُ لِلطِّفلِ ، فَصارَ يَخرُجُ إلَى الدُّنيا غَبِيّاً غافِلاً عَمّا فيهِ أهلُهُ فَيَلقَى الأَشياءَ بِذِهنٍ ضَعيفٍ ومَعرِفَةٍ ، ناقِصَةٍ ثُمَّ لا يَزالُ يَتَزايَدُ فِي المَعرِفَةِ قَليلاً قَليلاً وشَيئاً بَعدَ شَيءٍ وحالاً بَعدَ حالٍ ، حَتّى يَألَفَ الأَشياءَ ويَتَمَرَّنَ ويَستَمِرَّ عَلَيها ، فَيَخرُجُ مِن حَدِّ التَّأَمُّلِ لَها وَالحَيرَةِ فيها إلَى التَّصَرُّفِ وَالاِضطِرابِ إلَى المَعاشِ بِعَقلِهِ وحيلَتِهِ ، وإلَى الاِعتِبارِ وَالطّاعَةِ وَالسَّهوِ وَالغَفلَةِ وَالمَعصِيَةِ . وفي هذا أيضاً وُجوهٌ اُخَرُ ؛ فَإِنَّهُ لَو كانَ يولَدُ تامَّ العَقلِ مُستَقِلاًّ بِنَفسِهِ ، لَذَهَبَ مَوضِعُ حَلاوَةِ تَربِيَةِ الأَولادِ وما قُدِّرَ أن يَكونَ لِلوالِدَينِ فِي الاِشتِغالِ بِالوَلَدِ مِنَ المَصلَحَةِ ، وما يوجِبُ تَربِيَةً لِلآباءِ عَلَى الأَبناءِ مِنَ المُكَلَّفاتِ بِالبِرِّ وَالعَطفِ عَلَيهِم عِندَ حاجَتِهِم إلى ذلِكَ مِنهُم ، ثُمَّ كانَ الأَولادُ لا يَألَفُونَ آباءَهُم ولا يَألَفُ الآباءُ أبنَاءَهُم ؛ لِأَنَّ الأَولادَ كانوا يَستَغنونَ عَن تَربِيَةِ الآباءِ وحِياطَتِهِم فَيَتَفَرَّقونَ عَنهُم حينَ يولَدونَ ، فَلا يَعرِفُ الرَّجُلُ أباهُ واُمَّهُ ، ولا يَمتَنِعُ مِن نِكاحِ اُمِّهِ واُختِهِ وذَواتِ المَحارِمِ مِنهُ إذا كانَ لا يَعرِفُهُنَّ ، وأقَلُّ ما في ذلِكَ مِنَ القَباحَةِ ، بَل هُوَ أشنَعُ وأعظَمُ وأفظَعُ وأقبَحُ وأبشَعُ لَو خَرَجَ المَولودُ مِن بَطنِ اُمِّهِ ، وهُوَ يَعقِلُ أن يَرى مِنها ما لا يَحِلُّ لَهُ ولا يُحسِنُ بِهِ أن يَراهُ ، أفَلا تَرى كَيفَ اُقيمَ كُلُّ شَيءٍ مِنَ الخِلقَةِ عَلى غايَةِ الصَّوابِ وخَلا مِنَ الخَطَاَءدَقيقُهُ وجَليلُهُ؟! تَأَمَّلِ الآنَ ـ يا مُفَضَّلُ ـ ما سُتِرَ عَنِ الإِنسانِ عِلمُهُ مِن مُدَّةِ حَياتِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَو عَرَفَ مِقدارَ عُمُرِهِ وكانَ قَصيرَ العُمُرِ لَم يَتَهَنَّأ بِالعَيشِ مَعَ تَرَقُّبِ المَوتِ وتَوَقُّعِهِ لِوَقتٍ قَد عَرَفَهُ ، بَل كانَ يَكونُ بِمَنزِلَةِ مَن قَد فَني مالُهُ أو قارَبَ الفَناءَ فَقَدِ استَشعَرَ الفَقرَ وَالوَجَلَ مِن فَناءِ مالِهِ وخَوفِ الفَقرِ ، عَلى أنَّ الَّذي يَدخُلُ عَلَى الإِنسانِ مِن فَناءِ العُمُرِ أعظَمُ مِمّا يَدخُلُ عَلَيهِ مِن فَناءِ المالِ ؛ لِأَنَّ مَن يَقِلُّ مالُهُ يَأمُلُ أن يُستَخلَفَ مِنهُ فَيَسكُنَ إلى ذلِكَ ، ومَن أيقَنَ بِفَناءِ العُمُرِ استَحكَمَ عَلَيهِ اليَأسُ وإن كانَ طَويلَ العُمُرِ ، ثُمَّ عَرَفَ ذلِكَ وَثِقَ بِالبَقاءِ وَانهَمَكَ فِي اللَّذّاتِ وَالمَعاصي ، وعَمِلَ عَلى أنَّهُ يَبلُغُ مِن ذلِكَ شَهوَتَهُ ، ثُمَّ يَتوبُ في آخِرِ عُمُرِهِ ، وهذا مَذهَبٌ لا يَرضاهُ اللّه ُ مِن عِبادِهِ ولا يَقبَلُهُ . . . فَإِن قُلتَ : أوَلَيسَ قَد يُقيمُ الإِنسانُ عَلَى المَعصِيَةِ حيناً ، ثُمَّ يَتوبُ فَتُقبَلُ تَوبَتُهُ ؟! قُلنا : إنَّ ذلِكَ شَيءٌ يَكونُ مِنَ الإِنسانِ لِغَلَبَةِ الشَّهَواتِ وتَركِهِ مُخالَفَتَها مِن غَيرِ أن يُقَدِّرَها في نَفسِهِ ويَبنِيَ عَلَيهِ أمرَهُ فَيَصفَحُ اللّه ُ عَنهُ ويَتَفَضَّلُ عَلَيهِ بِالمَغفِرَةِ ، فَأَمّا مَن قَدَّرَ أمرَهُ عَلى أن يَعصِيَ ما بَدا لَهُ ، ثُمَّ يَتوبَ آخِرَ ذلِكَ فَإِنَّما يُحاوِلُ خَديعَةَ مَن لا يُخادَعُ بِأَن يَتَسَلَّفَ التَّلَذُّذَ فِي العاجِلِ ويَعِدَ ويُمَنِّيَ نَفسَهُ التَّوبَةَ فِي الآجِلِ ، ولِأَنَّهُ لا يَفي بِما يَعِدُ مِن ذلِكَ فَإِنَّ النُّزوعَ مِنَ التَّرَفُّهِ وَالتَّلَذُّذِ ومُعاناةِ التَّوبَةِ ـ ولا سِيَّما عِندَ الكِبَرِ وضَعفِ البَدَنِ ـ أمرٌ صَعبٌ ، ولا يُوئنُ عَلَى الإِنسانِ مَعَ مُدافَعَتِهِ بِالتَّوبَةِ أن يُرهِقَهُ المَوتُ فَيَخرُجَ مِنَ الدُّنيا غَيرَ تائِبٍ ، كَما قَد يَكونُ عَلَى الواحِدِ دَينٌ إلى أجَلٍ وقَد يَقدِرُ عَلى قَضائِهِ ، فَلا يَزالُ يُدافِعُ بِذلِكَ حَتّى يَحِلَّ الأَجَلُ وقَد نَفِدَ المالُ فَيَبقَى الدَّينُ قائِماً عَلَيهِ . فَكانَ خَيرُ الأَشياءِ لِلإِنسانِ أن يُستَرَ عَنهُ مَبلَغُ عُمُرِهِ ، فَيَكونَ طولَ عُمُرِهِ يَتَرَقَّبُ المَوتَ ، فَيَترُكَ المَعاصِيَ ويُوئرَ العَمَلَ الصّالِحَ . فَإِن قُلتَ : وها هُوَ الآنَ قَد س��تِرَ عَنهُ مِقدارُ حَياتِهِ ، وصارَ يَتَرَقَّبُ المَوتَ في كُلِّ ساعَةٍ ، يُقارِفُ الفَواحِشَ ويَنتَهِكُ المَحارِمَ ! قُلنا : إنَّ وَجهَ التَّدبيرِ في هذَا البابِ هُوَ الَّذي جَرى عَلَيهِ الأَمرُ فيهِ ، فَإِن كانَ الإِنسانُ مَعَ ذلِكَ لا يَرعَوي ولا يَنصَرِفُ عَنِ المَساوىَ فَإِنَّما ذلِكَ مِن مَرَحِهِ ومِن قَساوَةِ قَلبِهِ لا مِن خَطَاًءفِي التَّدبيرِ ؛ كَما أنَّ الطَّبيبَ قَد يَصِفُ لِلمَريضِ ما يَنتَفِعُ بِهِ ، فَإِن كانَ المَريضُ مُخالِفاً لِقَولِ الطَّبيبِ لا يَعمَلُ بِما يَأمُرُهُ ولا يَنتَهي عَمّا يَنهاهُ عَنهُ لَم يَنتَفِع بِصِفَتِهِ ، ولَم يَكُنِ الإِساءَةُ في ذلِكَ لِلطَّبيبِ ، بَل لِلمَريضِ حَيثُ لَم يَقبَل مِنهُ . ولَئِن كانَ الإِنسانُ مَعَ تَرَقُّبِهِ لِلمَوتِ كُلَّ ساعَةٍ لا يَمتَنِعُ عَنِ المَعاصي فَإِنَّهُ لَو وَثِقَ بِطولِ البَقاءِ كانَ أحرى بِأَن يَخرُجَ إلَى الكَبائِرِ الفَظيعَةِ ، فَتَرَقُّبُ المَوتِ عَلى كُلِّ حالٍ خَيرٌ لَهُ مِنَ الثِّقَةِ بِالبَقاءِ ، ثُمَّ إنَّ تَرَقُّبَ المَوتِ وإن كانَ صِنفٌ مِنَ النّاسِ يَلهَونَ عَنهُ ولا يَتَّعِظونَ بِهِ ، فَقَد يَتَّعِظُ بِهِ صِنفٌ آخَرُ مِنهُم ويَنزَعونَ عَنِ المَعاصي ، ويُوئرونَ العَمَلَ الصّالِحَ ، ويَجودونَ بِالأَموالِ وَالعَقائِلِ النَّفيسَةِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الفُقَراءِ وَالمَساكينِ ، فَلَم يَكُن مِنَ العَدلِ أن يُحرَمَ هؤلاءِ الاِنتِفاعَ بِهذِهِ الخَصلَةِ لِتَضييعِ اُولئِكَ حَظَّهُم مِنها. [١]
[١] بحار الأنوار: ج ٣ ص ٨٣ نقلاً عن الخبر المشتهر بتوحيد المفضّل .